« وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ »
قلت : حين حكما في الحرث كانت قضية واحدة ؟ ! فقال : إنه كان أوحى اللّه عز وجل إلى النبيين قبل داود ، إلى أن بعث اللّه داود ، أي غنم نفشت في الزرع ، فلصاحب الحرث رقاب الغنم . فلا يكون النفش إلا بالليل . فان على صاحب الزرع أن يحفظه بالنهار ، وعلى صاحب الغنم حفظ الغنم في الليل . فحكم داود ( ع ) بما حكمت به الأنبياء ( ع ) من قبله .
وأوحى اللّه عز وجل إلى سليمان ( ع ) : أي غنم نفشت في زرع فليس لصاحب الزرع الا ما خرج من بطونها . وكذلك جرت السنة بعد سليمان . وهو قول اللّه عز وجل : وكلا آتينا حكما وعلما . فحكم كل واحد منهما بحكم اللّه عز وجل .
والمستفاد من هذا الخبر وغيره ، ان اعتداء الغنم على الحقل ، إن كان بالنهار فلا ضمان على صاحب الغنم ، لأن صاحب الحقل هو الذي يجب عليه حفظ حقله في النهار ، فإذا اعتدت غنم غيره عليه كان هو مقصرا ، ولا يضمن له صاحب الغنم شيئا . وأما اعتداء الغنم في الليل فهو مضمون على صاحب الغنم ، لأنه يجب عليه حفظ غنمه من الاعتداء على الآخرين أثناء الليل ، فإذا لم يمنعها كان مقصرا وعليه الضمان .
وكان الاعتداء في القضية التي عرضت على داود وسليمان ( ع ) ، اعتداء ليليا ، فكان صاحب الغنم ضامنا لما أتلفته غنمه . ولكن ما ذا يجب أن يدفع صاحب الغنم إلى صاحب الحقل ؟ إن في ذلك ثلاث احتمالات :
الاحتمال الأول : انه تقدر قيمة التالف من الزرع ، ويأخذ صاحبه من النقود بقدر هذه القيمة . وهذا صحيح . إلا أن النقود لم تكن موجودة في ذلك العهد ، بل كانت المبادلة كلها بين الناس باعتبار العروض نفسه . فكان هذا الاحتمال مما لا يمكن العمل به يومئذ .
الاحتمال الثاني : انه تقدر قيمة التالف في الحقل ، ويأخذ صاحبه بقدر قيمته من العروض مما يملكه صاحب الغنم . وأقرب شيء يأخذه صاحب الحقل هو ما أنتجته الغنم المعتدية نفسها من حليب وولد وغيره . وهذا هو الذي حكم به النبي سليمان ، طبقا لتفهيم اللّه عز وجل . . . كما يقول الخبر .
الاحتمال الثالث : ان صاحب الغنم يدفع إلى صاحب الحقل الغنم المعتدية