غير واحد يأتي ويأخذ ثم يندم لأنه أصبح الوحيد الطامع بالمال ، ثم يحاول إرجاعه فيرفض طلبه .
وكلا هاتين الصورتين المعروضتين في الأخبار ، صريحتان في شمول الغنى المالي الواسع لكل الناس في المجتمع ، وأن المال والذهب والفضة والأحجار الكريمة قد سقطت عن الرغبة الاجتماعية ، باعتبار توفرها كالماء والتراب .
هذا ، ولكن هذه الأخبار تواجه بعض الأسئلة يحسن عرضها ومحاولة الجواب عليها ، وسنذكر كل سؤال في ناحية مستقلة :
الناحية الأولى : ما سبب تكدس المال وكثرته في الدولة المهدوية ، سواء على مستوى الدولة أو الأفراد .
وللجواب على ذلك عدة أطروحات محتملة لا بد من عرضها وتمحيصها .
الأطروحة الأولى : توفر المال عن طريق المعجزة ، ببركة الإمام المهدي ( ع ) ودعائه .
ولكن هذه الأطروحة لا تتم لعدة اعتراضات ، نذكر منها اثنين .
أولا : أنها خلاف قانون المعجزات ، من حيث أنه مهما أمكن وجود الشيء على الطريقة الطبيعية لم يجز حمله على الوجود بسبب إعجازي . وإمكان فهم توفر المال بالطريق الطبيعي واضح ، بعد الاطلاع على الأطروحتين التاليتين .
ثانيا : أن السياق العام لهذه الأخبار التي تذكر تكدس المال وكثرته ، يشير إلى عدالة النظام واستقامة الأمور إلى حد يتوفر المال بهذه الكثرة . ومن الواضح أن افتراض توفر المال عن طريق المعجزة ينافي هذا السياق ، لإمكان وجود المعجزة - مع اقتضاء المصلحة - في أشد الأنظمة ظلما وفسادا . وبتعبير آخر : إن المال سوف يكون نتيجة للمعجزة لا للنظام العادل ، وهو خلاف ظاهر الأخبار . ومعه فلا تكون هذه الأطروحة صحيحة .
الأطروحة الثانية : إن المال يتوفر لدى الدولة عن طريق ما تقوم به في الزراعة والصناعة والتعدين وغيرها من استثمارات . توجب توفر المال للدولة والأفراد معا .
وبهذه المشاريع يتوفر في الدولة العالمية المهدوية الاكتفاء الذاتي ، بل زيادة المنتجات على الحاجات من ناحية ، ويتوفر فيها زيادة على ذلك كمية ضخمة من النقد ليس لها منفذ ومصدر للصرف معين . فإن مصادر استهلاك المال - مهما تعددت - فهي تعود إلى الحاجة ،
موسوعة الإمام المهدي ( ع ) ( تاريخ ما بعد الظهور ) — صفحة 558
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٥٥٨