غيبته بلا سبب ، فتكون ظلما للبشر ، لأنه يعني بقاؤهم ضمن المشاكل والظلم مع إمكان دفعه عنهم بكل سهولة .
ومع تنزيه اللّه تعالى شأنه عن كل أشكال الظلم ، يتعين القول بعدم صحة المضمون الظاهر لهذه الرواية ، في حدود فهمنا العام المعاصر .
ومعه ، فلا بد من حملها على بعض أشكال الرمز ، وأن المراد التنبيه على أن المخلصين المتوفرين للمهدي ( ع ) ليسوا بأقل رتبة في الإيمان والإخلاص والعلم والعمل ممن عددتهم الرواية . وهذا أمر صحيح كما عرفنا .
السؤال الثالث : إن المخلصين الممحصين من الدرجة الأولى ، فضلا عن الدرجات المتأخرة ، لم يفرض فيهم أنهم مارسوا إدارة في الدولة أو قضاء في منطقة خلال عصر ما قبل الظهور ، كما لم يفرض فيهم أنهم درسوا هذه الأمور من الناحية النظرية ، بحيث يستطيعون تطبيقها في أي وقت شاءوا .
بل قد يكون الأمر بالعكس ، كما يظهر من بعض الحقائق التي عرفناها ، فإن التمحيص ينتج اكتساب درجة عليا من الإيمان وقوة الإرادة نتيجة لردود الفعل الصحيحة تجاه ظروف الظلم والطغيان ، ولا ينتج التمحيص القدرة على القضاء ، والمران على أساليب الحكم .
إذا ، فمن زاوية كونهم ممحصين ، لا يعني كونهم قادرين على مثل ذلك .
مضافا إلى أن ما عرفناه في التاريخ السابق « 1 » من لزوم التزامهم بالتقية خلال عصر التمحيص السابق على الظهور ، بالمعنى الذي فسرناه هناك « 2 » قد يلزم منه البعد عن مباشرة أساليب الحكم والقضاء والانكماش عن الدولة الظالمة ككل . فإنه لو شارك فيها كان فاشلا في التمحيص الإلهي ، وبالتالي لم يكن من المخلصين الذين لهم شرف الالتحاق بالإمام المهدي ( ع ) بعد ظهوره .
ينتج من ذلك ان المخلصين ، بأي درجاتهم لم يمارسوا حكما ولا قضاء في عهد ما قبل الظهور ، فكيف يستطيعون ممارسته في العالم تحت القيادة المهدوية ، وخاصة وان المطلوب ليس هو القيادة الاعتيادية ، بل القيادة العادلة المعمقة ، ذات التربية المركزة والمستمرة لكل البشرية . فكيف يتم لهم ذلك ؟ ! . . .
والجواب على ذلك : أن هناك دليلا عاما يوجب الالتزام بكون أصحاب الإمام
هامش
( 1 ) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص 416 .
( 2 ) المصدر ص 417 وما بعدها .