تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
عاشه قليلٌ جدّاً أو متلاشٍ تماماً ، كالشابّ يشعر أنَّ طفولته متلاشيةٌ ، والشيخ يشعر بأنَّ شبابه متلاشٍ ، والمحتضر يشعر كأنَّ حياته كلّها متلاشيةٌ ، أي : كأنَّه لم يلبث فيها إلّا ساعةً ، وهذا هو شعور النفس بالنسبة إلى الزمن الماضي . وهذا الشعور ليس معنىً عقليّاً ، بل هو معنى نفسي ؛ لوضوح أنَّ الماضي حقيقةً باقٍ على طوله من الناحية العقليّة ، لكن هناك شعورٌ نفسي ووجداني بأنَّ الماضي قليلٌ جدّاً ، ولذا نشعر أنَّ بعض الأيام تمرّ بسرعةٍ ، وبعضها تمرّ ببطءٍ . فقد يشعر الفرد أنَّ شهر رمضان يمرّ ببطءٍ ؛ لأنَّ فيه الصوم ونحواً من الصعوبة النفسيّة ، أو يشعر أنَّ كلّ يوم فيه فرحٌ يمرّ بسرعةٍ ، وكلّ زمان فيه انتظارٌ يمرّ ببطءٍ ، وهذه كلّها مشاعر نفسيّةٌ ليس لها واقعٌ عقلي . وقد فسّرنا الساعة بعدّة تفسيراتٍ جميعها ينطبق في المقام ، وتكلّمنا عن ذلك بما يكفي في الآيات السابقة ، فلا حاجة إلى الإعادة . والضمير في يَوْمَ يَرَوْنَهَا يمكن أن يعود إلى الذكرى أو المنتهى أو المرسى أو الساعة ، وعذرنا في ذلك هو الأقربيّة ؛ فإن لفظ الساعة أبعد منها جميعاً ، ومقتضى القاعدة أن يعود الضمير إلى الأقرب ، إلّا أن المتحصّل السياقي لا يتغيّر ظهوره ، سواء عاد الضمير إلى الساعة أو لغيرها . ولنا أن نسأل في قوله تعالى : لَمْ يَلْبَثُوا . . . عن مكان اللبث ، فأين المكان الذي لم يلبثوا فيه إلّا عشيّةً أو ضحاها ؟ وفي ذلك عدّة أُطروحاتٍ : الأُطروحة الأُولى : أن يرون ذلك عند الساعة ، وهو أنَّ بقاءهم في الدنيا كان قليلًا ، وقال عنه السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) : إنَّه سخيفٌ « 1 » . إلّا أنَّ هذا في وجداني هو الأقوى والأرجح فيما لو كان المقصود من الساعة حصّةً معيّنةً ،
هامش
( 1 ) أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 197 : 20 ، تفسير سورة النازعات .