وبذلك تمّ له فهم المادّة الرباعيّة من المادّة الثلاثيّة ، وأرجعه كلّه إلى معنى الشقّ . وفي مقابل ما قاله أُطروحتان :
الأُولى : أنَّه بمعنى الشقّ ، غير أنَّ المراد به شقّ الموطوء ، سواء في الزنا أم اللواط ؛ إذ لا يُستعمل الفجور إلّا في ذلك . ولو كان المراد شقّ ستر الديانةكما عبّر - لشمل السرقة وشرب الخمر ، وهو غير عرفي ولا متشرّعي .
الثانية : أن نقول : إنَّ الفجور موضوعٌ بوضعٍ ثان بنحو المشترك اللفظي لمعناه ، ولا يمكن أن يرجع الفجور إلى معنى الانفجار ، ونلاحظ أنَّ الثلاثي ( فجر ) له مصدران : فجرٌ وفجورٌ ، ولا يحتمل لغةً استعمال أحدهما في محلّ الآخر ، وهو دليل تعدّد الوضع .
ثُمَّ إنَّنا ذكرنا في سورة الفيل « 1 » في قوله تعالى : تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ « 2 » معنى سجّيل ومعنى سجّين ومعنى الكتاب ، وأشرنا تفصيلًا إلى الآيات التي في سورة المطفّفين وشرحناها ، فلا حاجة إلى تكرارها . ولكن السؤال الذي يختصّ بهذه الآية هنا : أنَّه بعد أن تحصّل أنَّ السجّين هو السجن الشديد ، فما معنى أن يكون كتاب الفجّار فيه ؟
والجواب عنه بوجوهٍ :
الأوّل : أنَّ المراد به الكتاب التكويني للكفّار ، وهو نفس أعمالهم التي عملوها ، فتكون في سجّين ، أو يعاقبون عليها هناك .
الثاني : أنَّ المراد بالكتاب قضاء الله وقدره ، بأن يكون الكفّار مسجونين
هامش
( 1 ) راجع أبحاث سورة الفيل في الجزء الأوّل من هذا الكتاب .
( 2 ) سورة الفيل ، الآية : 4 .