قلنا : هذا معناه أنَّ المرقوم هنا يُراد به صفة الكتابة الدقيقة لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا « 1 » ، كما قال الراغب : ( الحذق في الأُمور ) سواء كان الكتاب بالمعنى الحقيقي أم لا ، يعني : المادّي أو المعنوي . والفهم الابتدائي له هو أنَّ السامع قد يفهم المجاز من الكتاب ، فيقول : هو ليس بكتابٍ حقيقةً ، فتجيبه الآية الكريمة : أنَّه كِتَابٌ مَرْقُومٌ يعني : هو كتابٌ دقيقٌ محتوٍ على كتابةٍ .
إلّا أنَّه يمكن أن يُجاب : بأنَّه يمكن الاكتفاء بإقامة الحجّة ضدّ ذلك بأصالة الحقيقة ، وأنَّه لابدّ من الحمل على الحقيقة لا المجاز ، وهذا الوجه ناتجٌ من الحمل على المجاز لا الحقيقة .
وقد ذكرنا في أبحاثٍ متقدّمة ما له صلة في محل البحث ، أي : في قوله تعالى : فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ « 2 » من سورة البيّنة « 3 » .
والرقيم والمرقوم واحدٌ ، وهو فعيلٌ بمعنى مفعولٍ . ولعلّه كان الرقيم بمعنى الطين ، فأصبح هو الطين ، ثُمَّ أصبح هو الورق الاعتيادي .
ولذا تقدّم عن الراغب : أنَّ الرقم الخطّ الغليظ ؛ لأنَّه على كلّ حالٍ يناسب ذلك كالطين ، ومنه الرقم بمعنى العدد ؛ فإنَّه من جهة الكتابة ، لكن خصّها العرف بالاستعمال فيها دون غيرها .
ثَمَّ إنَّ ( كتاب ) هنا خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ تقديره ( هو ) يعود إلى مرجعٍ سابقٍ . وفيه أُطروحتان :
الأُولى : ما قاله السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) من : أنَّه يعود إلى سجّين ، والجملة
هامش
( 1 ) سورة الكهف ، الآية : 49 .
( 2 ) سورة البيّنة ، الآية : 3 .
( 3 ) راجع أبحاث سورة البيّنة في الجزء الأوّل من هذا الكتاب .