ثُمَّ السعادة الدنيويّة ثلاثة أضربٍ : سعادة نفسيّة وبدنيّة وخارجيّة ، كذلك الشقاوة على هذه الأضراب . وفي الشقاوة الأُخرويّة قال : فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى « 1 » وقال : غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا « 2 » وقرئ ( شقاوتنا ) ، وفي الدنيويّة : فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى « 3 » « 4 » .
أقول : هذا بناء على كون الجنّة لآدم ( ع ) في الدنيا ، وهو لم يعرّف الشقاوة والسعادة الخارجيّة ، مع أنَّه لا قيمة لها إلّا إذا أثّرت في النفس ، فهي نفسيّة دائماً .
والله تعالى خلق كلّ الغرائز والمراتب للإنسان لها شدّةٌ ولينٌ . فالألم تعبيرٌ عن الشقاوة واللذّة هي السعادة . والأشقى هو الذي ينال أعلى مراتب الشقاء أو أشدّه ، والمراد به الشقاء المعنوي ؛ لأنَّه لم يكن شقيّاً دنيويّاً ولا نفسيّاً ؛ لأنَّه كان زعيماً ومتصرّفاً في مجتمعه .
وللشقاء معنيان عرفيّان آخران :
أحدهما : البلاء الدنيوي : كالفقر والمرض ؛ فإنَّهما شقاءٌ ، إلّا أنَّهما ليسا بشقاوةٍ عرفاً .
وثانيهما : كون الفرد بصفاتٍ تافهةٍ بلا دينٍ ولا إنسانيّةٍ ، فنسميّه شقاوة ، وعندنا ( يتشاقى ) أي : يدّعي الشقاوة ؛ لأنَّه يطلق على المضاحكة ، ويغلب عليه قول الزور ، فيكون من الشقاء . وحيث إنَّه صالح في نفسه حسب الفرض ،
هامش
( 1 ) سورة طه ، الآية : 123 .
( 2 ) سورة المؤمنون ، الآية : 106 .
( 3 ) سورة طه ، الآية : 117 .
( 4 ) أُنظر مفردات ألفاظ القرآن : 271 ، مادّة ( شقا ) .