رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ « 1 » . فالطغيان هو العلّة أو السبب ، والتكذيب هو المعلول . غير أنَّ المراد كان الطغيان الداخلي ، فهو سببٌ ، ولا يقال : إنَّه عين التكذيب وإن كان عرفاً كذلك . إلّا أنَّ بينهما اختلافاً في الرتبة عقلًا ، وهذا يكفي . والمراد به سوء الباطن أو تمرّد النفس الأمّارة .
وإن أُريد بالطغيان ما هو ظاهره فالمراد أنَّه غفل بسببه عن الحّق أو أنَّه فضّل مصلحته الدنيويّة على الأُخرويّة . إلّا أنَّه مع ذلك لابدّ أن يعود على الباطن ؛ لأنَّ التكذيب باطني بالأصل ، وسبب الباطني باطني . والوجه فيه : أنَّه لو قلنا : إنَّ التكذيب باطني لم يكف الاستكبار الظاهري ، بل لم يوجد أصلًا .
وأفاد الراغب : أنَّ الطغيان تجاوز الحدّ في المعصية . قال تعالى : إِنَّهُ طَغَى « 2 » ، إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى « 3 » وقال : قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى « 4 » ، وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي « 5 » وقال تعالى : فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا « 6 » . وقال الراغب : والطغوى الاسم منه « 7 » .
والمراد : أنَّه اسم المصدر مع أنَّه تقدّم عن ( الميزان ) أنَّه مصدرٌ ، والراغب في ذلك حجّة ، والفرق بينهما دقّي .
هامش
( 1 ) سورة القلم ، الآية : 2 .
( 2 ) سورة طه ، الآية : 24 .
( 3 ) سورة العلق ، الآية : 6 .
( 4 ) سورة طه ، الآية : 45 .
( 5 ) سورة طه ، الآية : 81 .
( 6 ) سورة الكهف ، الآية : 80 .
( 7 ) مفردات ألفاظ القرآن : 314 ، مادّة ( طغى ) .