أقول : من المؤكّد أنَّ الفهم المشهوري من البريّة البشر أي : أولاد آدم ( ع ) ، ولا شكَّ أنَّ ذلك عليه إجماع المفسّرين ، وهو اسم مفعول أو صفة مشبهة ، بمعنى : مبريّة أي : مخلوقة ، وأصله مبروءة . إلّا أنَّ فهم خصوص البشر بلا موجب ؛ لأنَّ المراد مطلق الخلق ، ولكن يوجد تقييد بأنَّ المشار إليهم بأولئك هم المذكورون لا غيرهم ؛ بدليل ثوابهم وعقابهم ، سواء كانوا بشراً أو خلقاً آخر .
سؤال عن صيغة : ( شَرُّ الْبَرِيَّةِ وخَيْرُ الْبَرِيَّة ) :
إنَّ فهم المشهور بأنَّ فيه إشعاراً بأفعل التفضيل ؛ ولعلّهم أخذوه مسلّماً ، مع أنَّه مخالفٌ للقواعد العربيّة وللظاهر أيضاً ، فإنَّه لم يقل : أشرُّ وأخير ، لكي نحمله على ذلك ؛ بل أورد مجرّد الصفة ، فيكون حالها حال الأعمى في قوله تعالى : وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا « 1 » فلا يمكن أن نفهم منها أنَّه أكثر عمىً .
وبذلك ينتفي الفهم المشهوريُّ والارتكاز المتشرعيُّ ، إلّا أن نفهم - كأُطروحة محتملة - أنَّه معنى موروث جيلًا بعد جيل من قبل الأئمة ( عليهم السلام ) ، فيكون من قبيل السنّة التي تفسّر القرآن الكريم ، ولم يثبت ذلك ، فتبقى دعوى المشهور مفتقرة إلى دليل ، وسيأتي مزيد إيضاح لذلك .
سؤال : كيف وصفهم القرآن الكريم بذلك ، ولعلَّ في البريّة من هم أكثر شرّاً منهم أو أكثر خيراً ؟
جوابه : أنَّ هذا مسند من قبل القرآن الكريم نفسه ؛ لأنَّه يشهد بأنَّهم شرُّ البريّة وخير البريّة وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا « 2 » هذا مع متابعة الفهم
هامش
( 1 ) سورة الإسراء ، الآية : 72 .
( 2 ) سورة النساء ، الآية : 122 .