إن قلتَ : كيف فسّرنا - فيما سبق - ( أُمُّه ) بالوالدة وبالنفس الأمّارة
بالسوء ، مع أنَّها تدلُّ على جهنّم ، بحسب القرينة المتصلة ، وهي قوله تعالى : نَارٌ حَامِيَةٌ ؟
قلت : يجاب ذلك بأُمور منها :
أوّلًا : يمكن أن نسلّم كما سلّم المشهور بالمعنى كأُطروحة ، فتكون ( نار حامية ) بمنزلة الخبر ل - ( أُمُّهُ ) ، وتكون ( أُمُّهُ ) بمنزلة المبتدأ ، مستعملةً مجازاً ، و ( نارٌ حامية ) مستعملةٌ بالمعنى الحقيقي .
ثانياً : أنَّه يمكن عكس المعنى ، أي : إنَّ ( أُمُّهُ ) مستعملةٌ بالمعنى الحقيقي و ( نار حامية ) مستعملةٌ مجازاً .
فالمعنى : والدته نارٌ حامية بأحد وجهين :
الوجه الأوّل : أنَّ سلوكها بمنزلة النار الحامية ، كأن تكون عصبيّة جداً أو مؤذية ونحو ذلك .
الوجه الثاني : أنَّ والدته في جهنّم ، أي : ذات نار حامية ، بتنزيل المظروف منزلة الظرف ، وهي في جهنّم حال كونها في الدنيا ، كما قال تعالى : أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا « 1 » فتكون سبباً لضلال أولادها .
فقد دار أمر الاستعمال بين اثنين : الحقيقي والمجازي ، والخيارات في ذلك عديدة :
منها : أن نقدِّم المتقدِّم لفظاً .
ومنها : إجمال العبارة ، بعد تعارض المقتضيين .
ومنها : أن نقدِّم اللفظين ( نارٌ حامية ) على اللفظ الواحد ( أُمُّهُ ) ؛ باعتبار
هامش
( 1 ) سورة الكهف ، الآية : 29 .