تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات ) — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
وبهذا حدد الغزالي أسباب المعرفة كلا في دائرة اختصاصه ، فالحواس مصدر المعرفة ، ولكن في موارد دون أخرى . ولو اعتمدناها في جميع الموارد لوجب ان نرفض كل فكرة لا يدرك واقعها بأحد الحواس ، وهذا تفويض للكيان العلمي من الأساس . وكذا العقل فهو مصدر المعرفة في بعض الموارد دون بعض ، ولو اتخذناه مصدرا في كل مورد لأهملنا الكثير من حقائق الوحي والدين . وعلى هذه السبيل خطّأ الغزالي الفلاسفة ، لأنهم اعتمدوا العقل في كل شيء ، ورد على المتكلمين لأنهم قلدوا خصومهم الفلاسفة في كثير من المسائل ، ونعى على بعض الفرق الصوفية ، لأنهم غابوا عن حواسهم وعقولهم ، وزعموا انهم يشاهدون في أحوالهم الخاصة أشياء تناقض المحسوسات والمعقولات في أمور لا يكذب فيها العقل والحس . اذن الغزالي لا يسقط العقل عن الاعتبار والدلالة على الحق ، كيف وهو يؤمن بالوحي أكثر من ايمانه بنفسه ، وقد بالغ الوحي في قدرة العقل على الهداية والرشاد ، واعتبره المناصر الأكبر لاحكامه وتعاليمه ! وانما ينكر الغزالي أن يكون العقل هو السبيل المطلق إلى جميع الحقائق ، حتى حقائق الوحي ودقائقه . وبهذا نعلم مكان الخطأ فيما جاء في الكتب الحديثة من أن الغزالي ناقض نفسه بنفسه ، حيث اعتمد منطق العقل في رده على على الباطنية وغيرهم ، بينما نعى على الفلاسفة نهج العقل . كلا ، لا تناقض ولا تهافت ، فلقد رد الغزالي على الفلاسفة ، حيث اعتمدوا العقل فيما لا يخصه ولا يعنيه من معضلات الوحي ، ورد على الباطنية بالعقل فيما هو من شؤونه ومنطقه .

أهم أسباب المعرفة :

إن أهم أسباب المعرفة بعد الوحي عند الغزالي هو الكشف ومن أجله