التصوف بعد قول الحسين : « ماذا وجد من فقدك ؟ ! وما الذي فقد من وجدك ! » .
وقال : « إلهي ان اختلاف تدبيرك ، وسرعة طواء مقاديرك منعا عبادك العارفين بك من السكون إلى عطاء ، واليأس منك في بلاء » .
ليس للعارفين وأهل اليقين أطوار وحالات ، ولا شخصيات تتحول وتتبدل تبعا للظروف والملابسات ، فإيمانهم باللّه أقوى من أن تزعزعه الحوادث ، وثقتهم به في السرّاء تماما كثقتهم في الضراء ، لا يبطرون عند الصحة والغنى ، ولا ييأسون عند المرض والفقر ، لأن الحالين في طريق الزوال . قيل لبعض الحكماء : ما لنا لا نراك فرحا ولا حزينا ؟
فقال : لأن الغائب لا يتلافى بالعبرة ، والآتي لا يستدام بالحيرة . وقال عز من قائل :
« وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ، وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ
- 17 الانعام » . وما دام الأمر إلى مقادير اللّه سبحانه برفع الوضيع ، وتغني الفقير ، وتفقر الغني ، وتمرض السليم ، وتشفي السقيم فعلام السكون إلى العطاء ، واليأس في البلاء ؟ !
وقال : « إلهي ، أمرت بالرجوع إلى الآثار ، فأرجعني إليك بكسوة الأنوار وهداية الاستبصار ، حتى ارجع إليك منها ، مصون السر عن النظر إليها ، ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها ، انك على كل شيء قدير » .
يقول : الهي انك خلقت الكائنات ، وهي تدل عليك من كبيرها إلى صغيرها ، وامرتنا بالنظر فيما أودعته فيها من الحكمة وبدائع الصنع والتكوين ، لتحصل لنا المعرفة من طريقها بقدرتك وعظمتك ، ولكنا نسألك أن تهبنا نورا واستبصارا من عندك ، لنؤمن بك مباشرة دون أن نرجع إلى الآثار من خلق السماوات والأرض ، حتى إذا رأيناها