تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات ) — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
العلاء بن زياد الحارثي للإمام علي ( ع ) ، وكان من أصحابه ، قال له : أشكو إليك أخي عاصما . قال : ما له ؟ قال : لبس العباءة ، وتخلى عن الدنيا . قال : عليّ به . فلماء جاء ، قال له : يا عدو نفسه ، لقد استهام بك الشيطان ، أما رحمت أهلك وولدك ؟ ! أترى اللّه أحلّ لك الطيبات ، وهو يكره أن تأخذها ؟ ! أنت أهون على اللّه من ذلك . قال عاصم : يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك ، وجشوبة مأكلك ! قال : ويحك ، إني لست كأنت ، ان اللّه فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس ، كيلا يتبيّع بالفقير فقره ، أي يهيج به ألم الفقر فيهلكه . وقول الإمام « استهام بك الشيطان » يدل على أن التنسك مكروه إلا لغاية حميدة ، كالمساواة وما إليها . هذي هي فلسفة الزهد المرغوب فيه ، إنه نظام المساواة يطبقه المخلصون على أنفسهم بالأفعال قبل الأقوال ، وهو في الوقت نفسه رد فعل لترف المترفين ، واحتجاج على من يتنعمون على حساب المظلومين . كان أويس القرني ، وهو إمام الصوفية وسيدهم - يتصدق بما يزيد عن مأكله وملبسه ، ثم يخاطب اللّه بقوله : « اللهم من مات جوعا فلا تؤاخذني به ، ومن مات عريانا فلا تؤاخذني » . وليس عمل أويس هذا تضحية ، وكفى ، بل وحجة دامغة تدين المحتكرين بقتل من يموت جوعا وعريا . . وكان أويس من التابعين أدرك الصحابي الجليل أبا ذرّ الذي ثار على تصرفات عثمان في أموال المسلمين ، وإسراف معاوية في البذخ ، وبناء الدور والقصور . وبهذا يتبين أن التصوف الاسلامي نشأ أول ما نشأ احتجاجا على الأثرياء الذين يكنزون الذهب والفضة ، ولا ينفقونها في سبيل اللّه ، ثم تطور مع الزمن إلى تصوف نظري ، جعلوه سببا من أسباب المعرفة ، ثم إلى الاتحاد والحلول ، ثم