تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات ) — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
التنسك يفتح لهم أبواب المعرفة إلى حقائق الغيب وعالم الملكوت ، كما يقول أصحاب التصوف النظري ، أو لأنهم أرادوا أن يقدّروا أنفسهم بالضعفاء والبؤساء ؟ . . وبديهة أن أفعال الأنبياء ليست كأفعال الناس تفتقر إلى أدلة تبررها ، بل هي بنفسها الحجة والدليل والمقياس الذي تقاس به الحقائق ، ويعرف الخطأ من الصواب ، هي الهدي والنور الذي يهدي للّتي هي أقوم .

الجواب

ان الزهد والتنسك غير مطلوب ولا محبوب في ذاته ، فقد نهى اللّه سبحانه عن حرمان النفس مع القدرة والاستطاعة ، فقال عز من قائل :
« وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا »
وقال :
« لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ »
وقال :
« قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ »
وقد تعوذ النبي ( ص ) من الفقر ، كما تعوذ من الشيطان ، وقال علي ( ع ) لولده محمد : يا بني إني أخاف عليك الفقر ، فاستعذ باللّه منه . ولا شيء أدل على أن الزهد ليس بالمكانة القصوى عند أئمة العلم والدين من قول الإمام الباقر : « أعلى مراتب الزهد أدنى مراتب الورع » . وأما وصف الدنيا بأنها حلم وممر فلا يستدعي إهمالها وعدم العناية بها ، وإذا كانت حلما فلتكن حلما عذبا لا عذابا ، وممرا سهلا لا عسر فيه ، وإذا كانت لا تعادل عند اللّه شيئا ، لأنه في غنى عنها ، فنحن في أشد الحاجة إليها ، لأننا منها ، وهي منا . ومن هنا كان لإغاثة الملهوف وعمل المبرات والخيرات المنزلة الأولى عند اللّه ، وكان أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة . ان في الانسان ، أي انسان - ولو معصوما - رغبة ذاتية في الاستمتاع بالحياة وملذاتها . . نقل صاحب « سفينة البحار » في
معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات ) — صفحة 210 | محمد جواد مغنية