عشية ، ولم يشبعوا عشية الا جاعوا غدوة ، قالت عائشة ، كان يأتي علينا أربعون ليلة لا نوقد في بيت رسول اللّه نارا ولا مصباحا . فقيل لها :
فبم كنتم تعيشون ؟ . قالت : بالأسودين : التمر والماء . ودخل عمر على رسول اللّه ( ص ) فوجده على حصير قد اثر في جنبه ، فكلمه في ذلك .
فقال : مهلا يا عمر ، اتظنها كسروية ؟ ! .
أما علي بن طالب فكان كما قال عبد اللّه بن عباس : كانت الدنيا أهون عليه من شلح نعله ، وكانت نعله من ليف لا تساوي كسر درهم ، قال ابن عباس : دخلت على أمير المؤمنين ، وهو خليفة ، فوجدته يصلح نعله .
فقلت له : ماذا تصنع ؟ ! . دعنا من هذه . فلم يكلمني حتى فرغ ، ثم ضمهما ، وقال : قوّمهما . قلت : لا قيمة لهما . قال : قومهما على ذلك .
قلت : كسر درهم . قال : واللّه لهي أحب اليّ من أمركم هذا الا ان أقيم حقا ، أو أدفع باطلا . وقال سويد بن غفلة : دخلت على أمير المؤمنين بعد ما بويع بالخلافة ، فوجدته جالسا على حصير صغير ، وليس في البيت غيره . وكان يأتيه المال فيوزعه على الناس ، ولا يبقي لنفسه شيئا ، ثم يحمل مسحاته ، وينطلق بها إلى العمل في الأرض ، وكذا زهد في الدنيا جماعة من الأصحاب والتابعين وأكابر الدين .
تساؤل :
ونتساءل : لماذا تنسّك الأنبياء ، ومن سار على سنتهم من الأئمة والأولياء ؟ لماذا زهدوا في الدنيا ، ورضوا منها بالكفاف ، أو بما دونه ؟
هل لأن التنسك حسن وخلق كريم ، يطلب لذاته كغاية لا كوسيلة إلى غيره ؟ أو أن الأنبياء والأولياء تنسكوا ، لأن الدنيا ليست بالشيء ، ما دامت ممرا لا مقرا ، أو « كمنزل راكب أناخ عشيا وهو في الصبح راحل » فهي ، وهذه حالها ، لا تستأهل العناية والاهتمام ، أو انهم تنسكوا لأن