زين العابدين تصور موقفه مع خالقه سبحانه ، ودفاعه عن نفسه إذا أراد اللّه عقابه وعذابه . ولسنا نجد في كلمات الصوفية على كثرتها وتنوعها ما يشبه كلام هذا الإمام العظيم . فإن كلمات الصوفية كلها أو جلها من نوع الحب والوجد وبث الأشواق ، أو الغزليات والخمريات ، أو الإعراض عن الحياة والملذات ، أو الترنيم والتنغيم ، أو الالغاز والطلاسم ، إلى غير ذلك .
أما كلمات الإمام زين العابدين فإنها تفيض بمعان لم يهتد إليها الصوفيون ولم تخطر لهم على بال ، ولم يبلغه أحد من قبل ومن بعد ، قال مخاطبا ربه إذا أراد حسابه وعقابه :
« إلهي ، وعزتك وجلالك لئن طالبتني بذنوبي لأطالبنك بعفوك ، ولئن طالبتني بلؤمي لأطالبنك بكرمك ، ولئن أدخلتني النار لأخبرنّ أهلها بحبي لك . .
إلهي ، إن كنت لا تغفر إلا لأوليائك وأهل طاعتك ، فإلى من يفزع المذنبون ، وإن كنت لا تكرم إلا أهل الوفاء بك ، فبمن يستغيث المسيئون . .
إلهي ، إنك أنزلت في كتابك العفو وأمرتنا أن نعفوا عمن ظلمنا ، وقد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا ، فإنك أولى بذلك منا . وأمرتنا ان لا نرد سائلا عن أبوابنا ، وقد جئتك سائلا فلا تردني عن بابك . وأمرتنا بالاحسان إلى ما ملكت ايماننا ونحن أرقاؤك ، فاعتق رقابنا من النار . . . »
ثم قال مدافعا بأسلوب آخر :
« إلهي ، اني امرؤ حقير ، وخطري يسير ، وليس عذابي مما يزيد في ملكك مثقال ذرة . ولو أن عذابي مما يزيد
معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات ) — صفحة 190
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص١٩٠