اعانه اللّه على نفسه ، فاستشعر الحزن ، وتجلبب الخوف ، فزهر مصباح الهدى في قلبه » فقد جعل اتصالا بين طاعة اللّه ، وبين المعرفة . كما ربط بين المعصية ، وبين الجهل في قوله : « من قارف ذنبا فارقه عقل لا يعود إليه أبدا » ، إلى غير ذلك من تعاليمه التي تربط بين كل صفة وما يناسبها من الصفات . فالفضائل عند الامام متآخية متشابكة يدعو بعضها إلى بعض ، ويطرد كلّ خلق شريف ما يضاده من الأخلاق الرذيلة ، تماما كالجسم القوي السليم يقاوم الأسقام ، ويزداد قوة ونشاطا . وجاء في القرآن الكريم آية 17 من سورة محمد :
« وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً »
.
أما الرذائل فهي كأمراض الجسم ، يؤدي بعضها إلى بعض ، قال تعالى في الآية 126 من سورة التوبة :
« وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ »
ولما كانت تعاليم الأمام متخمة بالحث على الزهد والتقوى ، وتربط بين المعرفة ومجاهدة النفس ، وكانت الدنيا عنده أحقر من عفطة عنز - كما قال - فقد اجتذبته إلى نفسها كل فرقة من فرق التصوف ، وانتسبت اليه مدعية انها تستقي من معينه ، وتستمد من تعاليمه .
قال المستشرق جولد تسهير في كتاب « العقيدة والشريعة » : « ان تقديس علي أصبح عقيدة تحمس لها عدد من البيئات الصوفية ، حتى تغلغلت أحيانأ في ثنايا مذهبهم وتعاليمهم » .
أما المعرفة التي يؤدي إليها التصوف فهي معرفة السبب الأول لهذا الكون وأوصافه وأفعاله ، ومعرفة اسرار العالم ، والحكمة المودعة في نظامه وجميع أشيائه ، بخاصة معرفة حقيقة الانسان والغاية من وجوده ، والوجهة التي يجب عليه أن يتجه إليها في حركاته وسكناته « 1 » .
هامش
( 1 ) هذا قول الصوفية ، أما نحن فنؤمن بأن التجرد عن الأهواء والاغراض ، والاخلاص للّه قوة وعملا يجر الانسان تلقائيا إلى الإيمان باللّه ، وإلى الحكمة التي وصف اللّه بها الأنبياء والصالحين ، وهي معرفة الخير والعمل به ، ومعرفة الشر ، والابتعاد عنه . واليه أشارت الآية :« وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ».