التوفيق بين الدين والتصوف :
وقد وجد بين المتصوفين فئة حاولت التوفيق بين التصوف والظواهر الدينية ، كابن عربي ، وعبد الرازق القاساني ، وابن فهد ، وغيرهم . ومن الأمثلة على هذا التوفيق قول ابن عربي بأن دين الإسلام وغيره من الأديان أمر بالحب والإخاء ، والحب يستدعي رفع الحواجز بين الناس ، كل الناس ، دون فرق بين المسلم والمسيحي ، والوثن وغيره ، واعلن ابن عربي هذا الرأي :
لقد صار قلبي قابلا كل صورة * فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف * وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب انّى توجهت * ركائبه ، فالحب ديني وإيماني
وشطح بعض الصوفية القائلين بالاتحاد ، ولم يقف عند حد ، وألف بين الكفر والإيمان ، واعتبرهما سواء عند اللّه ، وأعطانا هذه الصورة الشعرية ، قال : الكفر والإيمان كصفار البيضة وبياضها ، يقوم بينهما حاجز لا يتجاوزانه ، وحين طوى ذو الجلال البيضة تحت جناحيه اختفى الكفر والإيمان ، واتحدا في طائر واحد ذي جناحين « 1 » .
وإذا صرفنا النظر عن النصوص الدينية ، وافترضنا انها لا تؤيد ولا تفند التصوف ، ونظرنا إلى اهتمام الأمم به منذ أقدم العصور ، كالبراهمة والصابئة والبوذية والمانوية والمسيحية - لو فعلنا هذا لألفينا التصوف شرعة عالمية ، وفلسفة انسانية . . وهذا يدعونا إلى الظن ان لمجاهدة النفس وتزكية القلب اثرا معقولا ، ونوعا من الارتباط بينه وبين المعرفة وكشف الحجب .
فمن الحمق والجهل ان ننفي هذا الأثر والارتباط « ضربة واحدة » وندّعي
هامش
( 1 ) ان المساواة بين الكفر والالحاد تبتني على وحدة الوجود ، فكل من قال بوحدة الوجود لا يرى فرقا بين الأديان ، ولا بينهما وبين الالحاد .