والإنصاف : أنّ كلّاً من الاحتمالين ممكن ، والجزم بأحدهما لا يخلو من جزاف .
ثمّ إنّك قد عرفت : أنّ مقتضى مصحّحة عبد الرحمان بن أبي عبداللَّه أنّ الترجيح بموافقة الكتاب مقدّم على الترجيح بمخالفة العامّة « 1 » ؛ ولا وجه لرفع اليد عنها .
وما قيل : من أنّ المرجّحات الصدورية مقدّمة على المرجّحات الجهتية ، وهي على المرجّحات المضمونية ؛ لتقدّم التعبّد بأصل الصدور على التعبّد بجهته ، وهي على التعبّد بالمضمون « 2 » .
ففيه ما لا يخفى : أمّا أوّلًا : فلأنّ تقدّم التعبّد بالصدور على جهته وهو على مضمونه ممّا لا أصل له ولا دليل عليه ؛ لأنّ بناء العقلاء على العمل بخبر الثقة بعد تمامية أصل الصدور وجهته وظهوره وسائر الأصول العقلائية ، ومع عدم جريان واحد منها لا يعملون به ، ولا معنى للتعبّد بالصدور إلّاالعمل به ، وما لا عمل له بوجه لا يكون مورداً للُاصول العقلائية ولا للأدلّة الشرعية على فرضها .
فما يقال : من أنّ التعبّد بالصدور مقدّم على التعبّد بجهته ، إن كان مراده هو التعبّد العملي شرعاً ، أو البناء العملي لدى العقلاء ، فلا معنى له ، وهو واضح ، وإن كان غير ذلك فلا محصّل له .
وأمّا ثانياً : فلأنّه لو سلّم ، فإنّما هو في غير باب التعارض ؛ ضرورة أنّ كافّة
هامش
( 1 ) - تقدّم في الصفحة 139 .
( 2 ) - فوائد الأصول ( تقريرات المحقّق النائيني ) الكاظمي 4 : 780 - 784 .