وقضيّة مساهمة أحبار بيت المقدس لتكفّل مريم عليها السلام ، كما أخبر بها اللَّه تعالى إذ قال :
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
« 1 » تدلّ على أنّ العقلاء بحسب ارتكازهم يتشبّثون بالقرعة عند الاختصام وعدم الترجيح ، وهذه من قبيل الثاني ، كما أنّ غالب المقارعات العقلائية لعلّها من هذا القبيل ، كالمقارعات المتداولة في هذا العصر .
وكذا يشهد لتعارفها قضيّة مقارعة بني يعقوب ، ومقارعة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قريشاً في بناء البيت ، بل مقارعته بين نسائه « 2 » ، فإنّ الظاهر أنّها كانت من جهة الأمر العقلائي ، لا الحكم الشرعي .
وبالجملة : لا إشكال في معروفية القرعة لدى العقلاء من زمن قديم ، كما أنّه لا إشكال في أنّها لا تكون عندهم في كلّ مشتبه ومجهول ، بل تتداول لدى التنازع أو تزاحم الحقوق فقط .
كما أنّه لا إشكال في أنّها ليست طريقاً عقلائياً إلى الواقع ، ولا كاشفاً عن المجهول ، بل يستعملها العقلاء لمحض رفع النزاع والخصام ، وحصول الأولوية بنفس القرعة ؛ ضرورة أنّها ليست لها جهة كاشفية وطريقية إلى الواقع ، كاليد وخبر الثقة ، فكما أنّها في الموارد التي ليس لها واقع كتقسيم الإرث والأموال المشتركة إنّما هي لتمييز الحقوق بنفس القرعة لدى العقلاء ، كذا في الموارد التي لها واقع مجهول لديهم ليست المقارعة لتحصيل الواقع وكشف الحقيقة ، بل لرفع الخصام والتنازع ، وهذا واضح .
هامش
( 1 ) - آل عمران ( 3 ) : 44 .
( 2 ) - تقدّم تخريجها في الصفحة 433 - 434 .