والسرّ في ذلك : أنّ الشارع لا يكون في إلقاء الأحكام على الا مّة إلّاكسائر الناس ، ويكون في محاوراته وخطاباته كمحاورات بعض الناس بعضاً ، فكما أنّ المقنّن العرفي إذا حكم بنجاسة الدم لا يكون موضوعها إلّاما يفهمه العرف مفهوماً ومصداقاً ، فلا يكون اللون دماً عنده ، وليس موضوعاً لها ، كذلك الشارع بالنسبة إلى قوانينه الملقاة إلى العرف ، فالمفهومات عرفية ، وتشخيص مصاديقها أيضاً كذلك .
فما وقع في كلام المحقّق الخراساني رحمه الله وتبعه بعضهم : من أنّ تشخيص المفاهيم موكول إلى العرف ، لا تشخيص مصاديقها ؛ فإنّه موكول إلى العقل « 1 » .
منظور فيه ؛ ضرورة أنّ الشارع لا يكون في خطاباته إلّاكواحدٍ من العرف ، ولا يمكن أن يلتزم بأنّ العرف في فهم موضوع أحكامه ومصاديقه لا يكون متّبعاً بل المتّبع هو العقل .
وبالجملة : الشرع عرف في خطاباته ، لا أنّ الموضوعات متقيّدة بكونها عرفية ؛ فإنّه ضروري البطلان ، فحينئذٍ يكون قوله : « لا ينقض اليقين بالشكّ » قضيّة عرفية ، فإذا رأى العرف أنّ القضيّة المتيقّنة عين المشكوك فيها ، وأنّ عدم ترتّب الحكم على المشكوك فيه من نقض اليقين بالشكّ يجري الاستصحاب ، ولو لم يكن بنظر العقل من نقضه به ، لعدم وحدة القضيّتين لديه .
هذا كلّه واضح .
هامش
( 1 ) - كفاية الأصول : 77 ؛ فوائد الأصول ( تقريرات المحقّق النائيني ) الكاظمي 4 : 494 و 574 ؛ نهاية الأفكار 4 : 189 ؛ نهاية الدراية 1 : 240 .