وهنا احتمال آخر فيها ، وهو أنّها بصدد ردّ القائلين وإنشاء ذمّهم ، لا الإخبار بأمر واقعي حتّى يحتاج في تصحيحها إلى التأوّل والدعوى ، نظير ما نسب إلى زينب الكبرى عليها السلام في جواب عبيد اللَّه - لعنه اللَّه - حيث قال : الحمد للَّه . . . قالت :
« إنّما يفتضح الفاجر ، وهو غيرنا » « 1 » . فإنّه ظاهر في إنشاء الذمّ ، لا الإخبار عن واقعة . ونظير قولك في ردّ من قال لك : أنت بخيل : « إنّ البخيل من يأكل مال الناس » فإنّ ذلك ردّ قوله بإنشاء ذمّ بالجملة الخبرية ، لا الإخبار بأنّ آكل مال الناس بخيل .
فيكون المقصود من قوله :
إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
ردّ قولهم بإنشاء ذمّ لهم .
وهنا احتمال ثالث ، وهو أنّ الآية بصدد ردّهم بجملة إخبارية ، وهي أنّ الذين يقولون بأ نّك مفتر ، ويقولون يعلّمه بشر ، هم يفترون الكذب في انتساب الافتراء إليك ، وإنّهم هم الكاذبون .
ولا يبعد أن يكون الاحتمال الثاني أقرب إلى الذوق في المقام .
ثمّ إنّه لو سلّم رجحان الاحتمال الأوّل - ولو بضميمة الروايتين المتقدّمتين - يكون في دلالتها على حرمة الكذب مجال مناقشة ؛ لإمكان أن يكون المراد بدعوى قصر الكذب على غير المؤمن ونفي اتّصاف المؤمنين به ، هو أنّ الكذب لمّا كان صفة خبيثة دنيّة يناسب أرذال الناس ، والمؤمن شريف كامل لا يناسب صدوره منه ، فسلب الصفة عنه ليس لكونه معصية كبيرة ، بل لكونه صفة رديّة
هامش
( 1 ) - الملهوف على قتلى الطفوف : 201 .