غير قادرين على تجسيدها في الوجدان بسبب غياب التوجه العرفاني . انظروا إلى الآية الكريمة : « ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ) « 1 » . لقد تحدث المفسرون والفلاسفة عن هذا الموضوع ، غير أن الذوق العرفاني بات قليلًا . . ( إلهي هبْ لي كمال الانقطاع إليك وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك حتى تخرقَ أبصار القلوب حُجُبَ النور فتصل إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا معلقة بعز قدسك . إلهي واجعلني ممن ناديته فأجابك وناجيته فصعق لجلالك ) « 2 » .
فهذه عناوين تبدو للإنسان سهلة متصوَّرة . غير أن اياً من العارف والفيلسوف والعالم ليس بوسعه أن يدرك كنه المسألة ، مسألة ( فصعق لجلالك ) ، التي مبدؤها القرآن . وكذلك ( وخَرَّ موسى صعقاً ) « 3 » ، حيث يتصور الإنسان بأنه سقط وأغمي عليه ( صعق ) . ولكن ماذا كان الصعق ؟ ما هو صعق النبي موسى ؟ هذه مسأله لا يفهمها غير النبي موسى . وكذلك مسألة ( دنى فتدلى ) التي ليس بوسع أحد أن يفهمها ويدركها ويذوب فيها غير ذلك الذي حصل له ( الدُنُوّ ) . إلى غير ذلك من العبارات الواردة في هذه المناجاة العظيمة ، التي تبدو في الظاهر سهلة مفهومة غير أنها في الحقيقة ممتنعة على الفهم ، وان الإنسان بحاجة إلى رياضات كثيرة حتى يتسنى له فهم ( ناجيتَه ) بفتح التاء ، وليس ( ناجيتُه ) بضم التاء .
فماذا تعني ( ناجيتَه ) ؟ هل المقصود أن الله تعالى يناجي الإنسان ؟ وما هذه المناجاة ؟ ما الذي أراده الأئمة من ذلك ؟ . اني لم أر مثل هذه التعابير في أدعية أخرى غير هذا الدعاء . لقد كان الأئمة جميعاً يقرؤون هذه المناجاة . وهذا دليل على عظمتها . جميع الأئمة كانوا يقرؤون هذه المناجاة ، فماذا يعني ذلك ؟ ما هذه المسائل التي كانت بينهم وبين الله تبارك وتعالى ؟ . ( هَبْ لي كمال الانقطاع إليك ) . فما هو كمال الانقطاع ؟ و ( بيدك لا بيد غيرك زيادتي ونقصي ونفعي وضرّي ) . فالإنسان - حسب الظاهر - يقول : إن كل شيء بيده . غير أن معنى ذلك هو : لن يصيبنا ضرر إلا بيده ، ولن تتحقق اية منفعة إلا به ، فهو الضار والنافع . ولكن أيدينا قاصرة عن أمثال هذه الأمور ، واسأل الله تعالى أن يوفقنا في هذا الشهر الكريم وكذلك شهر رمضان المبارك ، لتحقيق ولو لمحة بسيطة من هذه الأمور في قلوبنا . على الأقل أن نؤمن بما تعنيه قضية ( الصعق ) . إن نؤمن بماهية مناجاة الله مع الإنسان . إن نؤمن على الأقل بالمناجاة ولا نقل عنها بأنها كلام دراويش .
كل هذه المسائل موجودة في القرآن بنحو لطيف ، وفي كتب الدعاء المتوافرة بين أيدينا ، والتي وصلت إلينا عن طريق أئمة الهدى . فهي ليست بلطافة القرآن الكريم ولكنها لطيفة أيضاً .
هامش
( 1 ) ( ) سورة النجم ، الآيتان 8 و 9 .
( 2 ) ( ) مفاتيح الجنان ، أعمال شهر شعبان .
( 3 ) ( ) سورة الأعراف ، الآية 143 .