ذلك وكانوا في حجب الظلمة والنور وظنوا بهذه الحجب انهم يريدون أشياء أخرى وهم لا يقنعون باي كمال أو قدرة أو مكانة أو جمال يصلون اليه ولا يجدون ضالتهم فيه .
ان الأقوياء وأصحاب القوى الكبرى يبحثون عن قوة أكبر مهما كانت القوة التي يصلون إليها ، وطلاب العلم ومهما بلغوا من مراتب العلم فإنهم يطلبون ما فوقه فلا يجدون فيه ضالتهم ، هذه الضالة التي هم أنفسهم عنها غافلون .
ولو منح طلاب السلطة القدرة وعلى السيطرة والتصرف في جميع العالم المادي ، من الأرض والمنظومات الشمسية والمجرات وكل ما فوقها ، وقيل لهم : » هناك فوق ذلك قوة أخرى وهناك وراءها عالم أو عوالم أخرى ، فهل تريدون الوصول إليها ؟ « فان من المحال ان لايتمنوها ، بل إنهم يقولون بلسان الفطرة : » ليتنا نستطيع ان نحصل عليها هي أيضا ! « . وهكذا هو طالب العلوم ، بل إنه إذا شك في أن هناك درجة أخرى - فوق ما وصل اليه - فان فطرته الباحثة عن المطلق ستقول : » ليتني استطعت انا أيضا ان ان امتلك قدرة التصرف فيها ، أو شملتها سعة علمي هي أيضا ! « .
ان ما يطمئن الجميع ويطفئ النار الملتهبة للنفس المتمردة والتوسعية هو الوصول اليه ، ولان الذكر الحقيقي له - جل وعلا - هو التجلي له ، فان الاستغراق فيه يسبب الاطمئنان الا بذكر الله تطمئن القلوب « 1 » وكأنه يقول : انتبهوا انتبهوا ! استغرق في ذكره كي يحلق قلبك من هذا الصوب إلى ذلك الصوب ومن هذا الغصن إلى ذلك الغصن ويحصل على الطمأنينة .
فاسمع بني العزيز طمأن الله قلبك بذكره ، نصيحة أبيك المتحير ووصيته ولا تدق هذا الباب أو ذاك من اجل الوصول إلى المنصب والشهرة وما هو من الشهوات النفسية ، فإنك مهما بلغته ستتاثر لأنك لم تبلغ ما فوقه فتتحسر على الدرجة الا على فتزداد همومك الروحية ؛ فان قلت : لماذا أنت نفسك لا تعمل بهذه النصيحة ؟ قلتُ : انظر إلى ما قال لا إلى من قال « 2 » . هذا القول صحيح ، حتى وان صدر من مجنون أو مفتون ، فبعد ان يقوا الله في القرآن الكريم ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل ان نبرأها « 3 » يقول : لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولاتفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور « 4 » فالانسان في هذا العالم يتعرض للتحولات والتغييرات ، فقد تنزل عليه مصائب وقد تقبل عليه الدنيا ويصل إلى المنصب والجاه والمال والمنال والقدرة والنعمة وكلاهما فانيان ، فلاتحزنك تلك النواقص والمصائب فان عنان
هامش
( 1 ) ( 1 ) سورة الرعد ، الآية 28 .
( 2 ) ( 2 ) درر الكلم 394 : 1 / 11 .
( 3 ) ( 3 ) سورة الحديد ، الآية 22 .
( 4 ) ( 4 ) سورة الحديد ، الآية 23 .