من الآخرين ، ينعدم فيها هذا التفكير وتخلد إلى التقاعس والكسل ، تماماً كالإنسان المحاط بعشرات الخدم والحشم ، فإنه يتعود على الراحة والكسل ، لأنه لا يفعل أي شيء بيده ، ولكنه عندما يُسجن ويغدو وحيداً فريداً ، يضطر لأن ينجز أعماله بنفسه ، وإلا أصابه الهلاك . فالأمة المعزولة من قبل الآخرين يمكنها أن تترقى وتتقدم . في حين أن الأمة غير المعزولة ، ستعيش الاتكاليّة على الغير في كلِّ شيء . فقوتها من الغير ، وسياراتها من الغير ، وحتى كهرباؤها من الغير . هكذا أمة ستبقى حتى النهاية أسيرة للغير . فلو لم تعيشوا العزلة ، لن تتمكنوا من الاستقلال . فما الذي يخيفنا من العزلة ، وقد كنا قبلها نعيش في دوامة من المشاكل والمصائب ؟ والآن صحيح أننا معزولون ، ولكننا على الأقل نعيش الاستقلال ، فكل شخص منا سيّد نفسه وليس خاضعاً للغير ولم تعد تجرؤ سفارة من السفارات - أياً كانت - من أن تتدخل في أمورنا ، أو تملي مطالبها على حكومتنا أو على شعبنا ، أتظنون بأننا معزولون ، فعدم كوننا معزولين بالمعنى الذي تريدونه أنتم ، معناه ؛ أن نعيش التبعية ونكون عبيداً وغلماناً لكم إلى الأبد ، فما زلت أتذكر تلك الصورة لمحمد رضا ، والتي نشرتها إحدى الصحف الإيرانية الصادرة في ذلك الوقت ، تظهره وهو في أمريكا ، يقف إلى جانب أحد رؤسائها كالطفل ، وذلك الأخير - لم أعد اذكر اسمه ربما جونسون « 1 » - كان يخلع نظارته دون حتى أن يلتفت إليه أو يعبأ به ، وكأنه لا يوجد أحدٌ إلى جانبه ، فالله عالمٌ ، بمدى الأسى والمرارة التي ولّدها هذا المنظر في نفسي ولا زال ، بأن يكون حالنا على هذه الشاكلة ، بحيث يذهب هذا الشخص والذي يدّعي بأنه الكل في الكل وأنه سيجعل من هذه البلاد كذا وكذا ويوصلها إلى درجة من التطور تجتاز معه اليابان ، أن يذهب هذا الشخص الضعيف والزبون الدائم للأمريكان إلى هناك ، وبعد مراسم الاستقبال وبرتوكولاته ، يذهب ليقف إلى جانب جونسون ، ثم يقوم هذا الأخير ودون أن ينظر في وجهه ، بخلع نظارته ، وكأنه لا أحد يقف إلى جانبه وذلك الأحمق واقفٌ إلى جانبه كالأبله ، يعلم الله أن أي عزلة مع صون الكرامة وعزة النفس ، هي أرحم بكثير من عدم العزلة مع الذل والهوان .
نعم ، فمحمد رضا لم يكن معزولًا ، والسادة يريدون لنا عدم عزلة كهذه ، ولكن ليعلم هؤلاء السادة ، بأننا نرحب وبصدر مفتوح بأي نوع من أنواع العزلة التي يتخيلونها ، فلو لم تكن هناك عزلة ، لن تتحرك العقول وتبدع ، فالدماغ الأمريكي ليس أكبر من أدمغتكم ، والعقل الأمريكي ليس أكثر ذكاءً من عقولكم ، ولكن هؤلاء استطاعوا أن يجعلوكم
هامش
( 1 ) ليندون جونسون ؛ الرئيس الأمريكي السابق .