يظهر فيه جسر جهنَّم لأعين الناس هذه ، ففي ذلك العالم يتجلّى ، ومَن طوى هذا الطريق يعبر من جسر جهنم ، ومن لم يطوِ هذا الطريق يقع في جهنّم ، يسقط من الجسر ، فهو أعوج ، والطريق المستقيم الذي ذكروا أوصافه أيضاً وسمعتموها هو أدقّ من الشعرة طريق ضيِّق ومظلم ، ويريد نور الهداية : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) والله يهدينا .
نور العلم وظلمته
فلا تظنُّوا أنتم أيّها السادة السالكو سبيل الإسلام والعِلم المتلبّسون بلباس الإسلام والأنبياء والرُّوحانية أنّ الدرس مفيد لكم بلا قراءة باسم الربّ . فهو مضرّ حينا ، وباعث على الغرور حينا ، وقاذف للإنسان من الصراط المستقيم حينا ، فهؤلاء الذين صنعوا الدِّين كانوا في الأكثر أهل العلم ، وأولئك الذين دعوا لخلاف الواقع أكثرهم أهل العلم لأنّ علمهم لم يكن قراءة باسم الربّ ، كان ذا انحراف منذ البدء . وهذا الطريق المنحرف كلّما امتدّ إلى الأمام ازداد انحرافا وبعداً عن الإنسانية . فكيف بامرئٍ يراه الناس الفيلسوف الأعظم والفقيه الأكرم ، ومن يعلم كل شيء وهو كنز العلوم ، لكن لأنّ قراءته لم تكن باسم الربّ ابتعد كثيراً عن الصراط المستقيم وعن الجميع ، وكلّما عظم الكنز عظم الوِزر ، وكلّما كبر المخزن كبر الوِزر وازدادت ظلماته . ( ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ) « 1 » . العلم ظُلْمة حيناً لا نور ، وذلك العلم الذي يشرع باسم الربِّ نور فيه هداية ، وذاك العلم الذي يحصل ابتغاء التعلّم أحسنه أن صاحبه يريد أن يتعلّم ، أو يقول بأنني أريد منصباً ، أو أن أكون إمام جماعة ، أو أن أكون خطيباً ، أو أن أكون مقبولًا لدى العامّة محبوباً لدى الناس ، كل هذه انحراف ، وكلُّها دقيقة ، كلّها صراط مستقيم بحسب ما وُصِف من أنّه أدق من الشَّعرة ، دقيق غاية الدقة .
مسألة معرفة الإسلام والإنسان
فيكف إذا كان الإنسان كلّ عمره في الرياء ، ولم يدرِ ؟ أنفق عُمراً كلّ ما عمله فيه كان رياءً ولم يفهم أنه كان رياءً . إنّه لدقيق حتّى إن المرء لا يلتفت ، وله موازين خاصَّة به ، وأولئك العاملون لم يعينوا موازين ، لنفهم بها من نحن ، ونعرف قدر أنفسنا ، في علم الأنبياء الذي هو علم صُنع الإنسان موازين .
ولا تتسنّى معرفة الإسلام خطفاً . فالإسلام لا يعرف بحربينِ ، فما هو بحرب ، ولا صلة للحرب به . مدرسة الإسلام - هذه التي يقال لها اليوم مدرسة - مقدّمة لمعرفة تلك المدرسة التي يضمّها الإسلام ، وهذه المدرسة لا نعرفها أنا وأنت ، مثلما لا نعرف الإنسان . فذلك الذي نعرفه هو هذا الموجود الطبيعيّ ، وليس هذا هو الإنسان ، من العلق يأتي ، ويرتفع قليلًا قليلًا ، حتّى يكون حيوانا ، وحيوانيته هذه طويلة جدّا . مقام الحيوانية هذا طويل جدّا . والإنسان ممكن أن يتوقّف طوال عمره في هذه الحيوانية . فما لم تكن له قراءة باسم الربّ ، ليس له من
هامش
( 1 ) النور : 40 .