مفترق طريقين ، فأولئك الطيّبون منّا هم الذين لم يسلكوا الطريق المعوج وإلّا فهم في الطريق لنرى ما يصيرون إليه .
وقال - تعالى - بعد تلك الآية : ( اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ) ولعلّ المعنى هو اقرأ مع ربِّك ، وهناك : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) والحديث بهذا طويل طبعا .
وقوله - تعالى - : ( خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ) أي : من هذا الماء خلق الله مثل هذه القوّة التي هي ذلك الإنسان الذي هو جميع العالم ، ويقولون فيه : ( وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ) « 1 » والعصر هو الإنسان الكامل ، وهو صاحب الزمان - سلام الله عليه - فهو عصارة جميع الموجودات ، والقسم بعصارة جميع الموجودات هو قسم بالإنسان الكامل . وقوله - تبارك وتعالى - : ( إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ) هذا الإنسان الذي هنا هو الإنسان برأس واذنين ، وندعوه نحن إنسانا ، والخطاب لنا نحن الذين في مفترق طريقين هما طريق الإنسانية الذي هو الصراط المستقيم ، أحد طرفي الصراط المستقيم في الطبيعة ، والآخر عند الألوهيّة ، فهو طريق يمتدّ من العلق ، فبعضه طبيعي ، وذلك المهمّ منه إراديّ ، فمبدؤه من الطبيعة ، ومنتهاه عند مقام الألوهية . والإنسان يبدأ من الطبيعة ، ويمضي إلى حيث لا يصل وهمي ووهمك .
اليمين واليسار طريق جهنم
لكم أن تختاروا أحد الطريقين : صراط الإنسانية المستقيم ، أو الانحراف يميناً أو شمالًا ، فإلى أيِّ الجهتين ينحرف الإنسان يبتعد عن الإنسانية ، وكلّما يتقدم في إحداهما يزداد بعداً عن إنسانيته ، فمن ينحرف عن الصراط المستقيم كلّما يتقدَّم في انحراف يبتعد أكثر عن طريق الإنسانية الذي جاء به الأنبياء يدعون إليه مأمورين أن يُعَرِّفوه للناس . والله - تبارك وتعالى - تفضَّل في سورة الحمد بقوله : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) « 2 » أولئك الذين تفضّلت عليهم بنعمة الهداية ، ورحمتهم بالاستقامة على هذا الصراط . ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ) : المغضوب عليهم : طائفة منحرفة ، والضالّين : أيضاً طائفة منحرفة . وكلّما ساروا إلى الأمام ازدادوا بُعدا .
كلّما درستم ، ولم يكن درسكم ( باسم ربِّك ) ابتعدتم عن الصراط المستقيم ، وكلّما درستم أكثر بغير هذا الاسم ازددتم بعداً ، ولو صرتم أعلم من في الأرض وما كان علمكم ( باسم الرَّب ) فأنتم أبعد مَن عليها عن الله - تبارك وتعالى - والأبعد عن الصراط المستقيم . والصراط المستقيم رأسُه جسر جهنّم ، وطرفه الآخر الطبيعة ، أو طرفه الجنّة ، وآخر مراتب الجنَّة لقاء الله حيث لا سبيل لأحد هناك غير الإنسان ، السبيل للإنسان فقط . وكلّنا الآن واقعون في جسر جهنّم . الطبيعة متن جهنّم . في ذلك العالم الذي يظهر فيه ستكون الطبيعة بمثابة جهنم فنحن الآن نتحرَّك في متن جهنّم فإذا طوينا هذا الطريق في ذلك اليوم الذي
هامش
( 1 ) العصر ، آية 1 و 2 .
( 2 ) الفاتحة : 6 - 7 .