وإذا وفّقنا الله لمثل هذه المنزلة - إن شاء الله - تلك التي لا نتمكن من إدراكها في هذا العالم الذي نحن فيه ، لا ندرك ما هي المدارج ، وما هي العوالم ؟ وما كُنْهُ هذه الدنيا ؟ فكل ما أدركناه هو هذا العالم الذي تصفه الروايات بأنه ( ما نظر الله اليه منذ خلقه ) عالم الأجسام هذا الذي لم ينظر اليه الله - تبارك وتعالى - نظرة لطف منذ خلقه .
مع أن ما أدركناه واكتشفناه عن عالم الأجسام هذا ، وعالم الطبيعة محير للعقول ، فعقولنا لا تصل جوهر هذا العالم إلّا هذا القدر الذي فهمه الإنسان حتى الآن ، وما عداه موجود إلى ما شاء الله حيث لا يبلغ نوره أحد .
هناك كواكب تبعد عنا بلايين السنين الضوئية ، ويصل ضوؤها إلى الأرض في ستة بلايين من السنين ، هذا الرقم لا نتمكّن من فهمه . وقد ذكر في بعض الكتابات أن بعض الكواكب لو فتح جوفها لاستوعب خمسمائة مليون شمس . ومن الكواكب ما لو وُضع في مركز الشمس لوصل إلى الأرض ، هذه السعة لا تدركها العقول ، لا يستطيع أحد إدراكها .
وهذه كلها في عالم ( الدنيا ) وهو عالم حقير . كان من أهل المعرفة من يقولون : تسمية هذا العالم بالدنيا هو بسبب الخجل من ذكر حقيقتها . وبهذا التشابك والتعقيد هو عالم ( دنيا ) هذه السماوات - مع كل ما اكتشف منها حتى الآن - فهي كما جاء على لسان القرآن ( زيَّنا السماء الدنيا بزينة الكواكب ) . « 1 »
السماء ( السفلى ) هي مع كل ما اكتشف فيها حتى الآن ، سماء ( سفلى ) في لغة القرآن ، والسماوات العليا لم يكتشف ما فيها ، وفي الوقت نفسه تعبّر الرواية عن هذا العالم بأنّه ( ما نظر إليه نظر لطف منذ خلقه ) . ويعبّر القرآن عن الدنيا بأنّها ( متاع ) ، وعن الآخرة بأنّها الحياة . هنا في الدنيا لا حياة ، هنا موت ، وحياة الآخرة هي الحياة : ( إنّ الدار الآخرة لهي الحيوان ) « 2 » ونحن غير مطلعين على ذلك .
التكليف الإلهي لطفُ الله بالعباد
في الوقت الذي نحن هنا لدينا مهمّات من قبل الله - تعالى - هي تكاليف لله - تبارك وتعالى - يجب أن نؤدّيها ، ولا نغفل عن التكاليف الإلهية ، فجميع التكاليف الإلهية هي ألطاف إلهية ، ونحن نتصوّرها تكاليف . كلها ألطاف سواء التكاليف الفردية الرامية إلى تربية كل إنسان على حدَّة ، من أجل اكماله ، ولا طريق للتكامل والرقي غير هذا الطريق ، وهناك درجات لا يمكن الوصول إليها بسلوك هذا الطريق . وكذلك التكاليف الاجتماعية التي تجب تأديتها لتنظيم المجتمع ، وقد بين لنا الأنبياء الأمور التي تتعلّق بالروح ، والتي تتعلق بالمقامات العقلية ، والتي تتعلق بالغيب .
وبيَّن القرآن ذلك أيضاً ، وأهله يعلمون ، وقد بينت السنة والكتاب تلك الأمور التي هي من الوظائف الخاصة الداخلة في رقي الإنسان وتكامله ، وبينت الأمور المتعلقة بالمجتمع والأمور
هامش
( 1 ) سورة الصافات ، الآية 6 .
( 2 ) سورة العنكبوت ، الآية 64 .