ثمّ هو كالواسطة فإنّ ذات النعمة وسوقها إلى المنعم وإقداره على إيصالها كلّها صادرة عنه جلّ شأنه وعظم امتنانه ، وتقديمه على الرحيم مع اقتضاء الترقّي العكس لصيرورته بسبب الاختصاص به سبحانه ، كالواسطة بين العلم والوصف ، فناسب توسّطه بينهما .
وفي ذكر هذه الأسماء في البسملة التي هي مفتتح الكتاب الكريم تأسيس لمباني الجود والكرم ، وتشييد لمعالم العفو والرأفة ، وإيماء إلى مضمون سبقت رحمتي
شرح
قوله : لصيرورته بسبب الاختصاص إلى آخره .
حيث لا يطلق على غيره تعالى ، لأنّه وان كان في اللغة بمعنى ذي الرحمة مطلقا ، الّا أنّه صار حقيقة عرفيّة في المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة ، وهذا لا يصدق على غيره تعالى .
ويمكن أن يقال : أريد اتّصاله بما يناسبه في العلميّة بما يناسبه في الوصفيّة ، وذلك انّما يتأتّى بجعله متوسّطا بينهما .
وقيل : لمّا كان الملتفت اليه بالقصد الأوّل في مقام العظمة والكبرياء جلائل النعم وعظائمها دون دقائقها ، قدّم الرحمن وأردف بالرحيم كالتتمّة ، تنبيها على أنّ الكلّ منه ، وانّ عنايته شاملة لذرّات الوجود ، كي لا يتوهّم أنّ محقّرات الأمور لا تليق بذاته ، فيحتشم عنه من سؤالها .
ففيه إشارة إلى أنّ العاقل ينبغي له أن يرجع في حوائجه كلّها اليه وينزّلها به ، جليلة كانت أو حقيرة ، ولا يأنف من رفع المحقّرات اليه ، فانّه غاية التوكّل عليه . يا موسى سلني كلّ ما تحتاج اليه حتّى علف شاتك وملح عجينك .
قوله : وفي ذكر هذه الأسماء في البسملة .
دون غيرها ، كأن يقال بسم اللّه الحيّ العليم ، أو القادر الحكيم ، أو الموجد