ونظير هذه المرتبة في معرفة اللّه تعالى معرفة أهل الشهود والفناء في اللّه ،
شرح
هذه الحالة والتجاؤه إلى ربّه ليس الّا لأنّه رأى ما سواه مفتقرا خاشعا لديه خاضعا بين يديه ، بل لم ير موجودا سواه ولا ملجأ الّا ايّاه ، وعليه فقس سائر المراتب .
والأنسب بمسلك الشيخ أن يقال : لمعرفة اللّه تعالى مراتب متخالفة :
الأولى منها : معرفة أفعاله ، أي : تصوّر آلائه والتفكّر في نعمائه .
الثانية : معاينة أفعاله ومكاشفة علوم تجلّيات صفاته .
الثالثة : مشاهدة أنوار كليّات الصفات مع ملاحظة الذات .
الرابعة : مشاهدة جمال الذات مع بقاء الاثنينيّة .
الخامسة : مشاهدة الذات وهو الشهود الذي بارتفاع الاثنينيّة ومحو توهّم الغيريّة . وفي هذه المرتبة ترتفع الحجب من البين ويتحقّق الوصول من الأثر إلى العين ، وهو الشهود الذاتي الذي يحصل بارتفاع الغير عن النظر بالكليّة .
قوله : معرفة أهل الشهود .
وستأتي جملة أحوالهم في أواخر الكتاب في تفسير سورة الفاتحة ، والنكتة المختصّة بالالتفات فيإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ .قوله : والفناء في اللّه .
من أحبّ اللّه ذكره ، فكلّما اشتدّ حبّه زاد ذكره إلى أن يستولي المذكور وهو اللّه سبحانه على قلبه ويتحلّى فيه ، فهو حينئذ يحبّه حبّا شديدا ، ويغفل عن جميع ما سواه حتّى عن نفسه ، إذ الحبّ المفرط يمنع عن مشاهدة غير المحبوب ، وهذا المقام يسمّى مقام الفناء في اللّه ، والواصل اليه لا يرى في الوجود الّا هو ، وهذا مقام عزيز المثال يعبّر عنه بدار الوصال ، ولذا تمنّى الوصول اليه والوقوف عليه .