وأصبح وجهي الفاني مستجيرا بوجهك الباقي ،
شرح
هو كامل ، فالصفات من الطرفين علل وأسباب للرجوع ، وكلّ واحد من الراجع والمرجع هو الذات باعتبار وصف من الأوصاف .
قوله : بوجهك الباقي .
المراد بالوجه هنا هو الذات ، كما في قوله تعالى« كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ »« 1 » والبقاء صفة الوجود وهو استمراره ، وهو وجود مخصوص ، فانّه وجود مستمرّ ، وبقاؤه تعالى عين ذاته ، فاستحال أن يسبقه عدم ، أو يلحقه انقطاع ، بل هو باق أزلا وأبدا ، وان مرّت الدهور والأعوام ، ومضت الأزمان والأيّام .
إذ لا غاية له من الزمان ينتهي إليها ، ولا مدّة مضروبة منه يقف عليها ، كما يكون للزمانيّات من زمانها ؛ لأنّ الدهور والأعوام والأزمان والأيّام من مخلوقاته .
ووجوده تعالى وإن كان مساوقا لوجود الزمان ، بمعنى أنّه معه في الوجود ، إذ كان هو موجده وخالقه ، الّا أنّ مساوقة الزمان لا يقتضي الكون فيه ، كالعالم فانّه مع الخردلة وليس فيها . وإذا كان تعالى ليس في الزمان ، لم تكن له غاية منه يقف عندها .
فثبت أنّه تعالى باق دائم على مرّ الدهور والأزمان والشهور ؛ لأنّ الواجب بالذات ممتنع العدم دائما ، فانّ كلّ ما كان واجب الوجود لذاته في وقت ، فهو واجب الوجود في جميع الأوقات أزلا وأبدا ما دام الذات ، لأنّ الواجب بالذات ما كان مجرّد ذاته كافيا في كونه واجبا .
وكلّ ما كان مجرّد ذاته كافيا في كونه واجبا ، وجب وجوده في كلّ وقت ؛
هامش
( 1 ) سورة القصص : 88 .