تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
هذا الشخص صريح وشديد ولا يمكن تصور بيان المقصود بأبلغ من هذه العبارات الدقيقة والكلمات المتماسكة . عبارة تعبير به « أَسْرَعْتَ الْكَرَّةَ » و « عَاجَلْتَ الْوَثْبَةَ » » و « اخْتَطَفْتَ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ » وتشبيهه بالذئب الذي يجرح ويدمي المعزى الكسيرة ، وكذلك قوله : « تُرَاثَكَ مِنْ أَبِيكَ وَأُمِّكَ » وكأنّه يحسب أنّ بيت المال كميراث ورثه من والديه ، كلّها جمل معبرةعن شناعة وقباحة هذا العمل الذي يقام به هذا الوالي . جملهء « لَا أَبَا لِغَيْرِكَ . . . » تعدّ نوعاً من الاحترام لذلك الوالي ، لأنّه عندما تحقير شخص : « لا أبا لك » ومن هذا المنطلق فالإمام عليه السلام في الوقت الذي يخاطب فيه هذا الوالي بتلك العبارات اللاذعة والتوبيخات القارعة ، فإنّه لا يزال يحترمه بالمقدار اللازم . وبعبارة تعبير به « تُرَاثَكَ مِنْ أَبِيكَ وَأُمِّكَ » تعبير جميل يقال في هذه الموارد بالنسبة للشخص الذي يقع على أموال ويتصرف بها دون وازع فيقال له : كأنّ هذا المال إرثاً ورثته من أبيك وامّك . وفي ختام هذا المقطع من الرسالة يظهر الإمام عليه السلام تعجبه الشديد من هذا السلوك المنحرف لعامله ويقول : « فَسُبْحَانَ اللَّهِ ! أَ مَا تُؤْمِنُ بِالْمَعَادِ ؟ أَوَمَا تَخَافُ نِقَاشَ « 1 » الْحِسَابِ ! » . وهذه إشارة إلى أنّ الشخص الذي يؤمن بالقيامة والمعاد ويعتقد حقّاً ما ورد في قوله تعالى : « فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ » « 2 » . لا ينبغي أن يتصرف في أموال بيت المال مثل هذا التصرف الذميم ، فمثل هذا العمل يتقاطع مع الإيمان والاعتقاد بالمعاد الحساب ، أو أن يكون إيمانه ضعيفاً إلى درجة وكأنّه قد نسي يوم القيامة وما سيوجهه من حساب على أعماله . * * *
هامش
( 1 ) . « نِقَاش » بمعنى الدقّة والتصعّب في الحساب . ( 2 ) . سورة الزلزلة ، الآيتان 7 و 8 .