بداية يشكك الإمام عليه السلام ، في هذه الجمل الثلاثة ، في إخلاص نيّة هذا الوالي في أمر الجهاد ، ثمّ يشكّك الإمام في كون أعماله تستند إلى الدليل والبيّنة الشرعيّة ، وأخيراً يشبّه الإمام عليه السلام عمله بمن يريد إغفال الناس وخداع الامّة لسلب حقوقهم من بيت المال .
ولعل هذا الوالي ( سواء كان ابن عباس أو غيره ) عند قراءته لهذه العبارات والجمل يستيقظ ضميره ويتحرك على مستوى إعادة أموال بيت المال .
ثمّ يواصل الإمام عليه السلام كلامه لهذا الوالي ويقول :
« فَلَمَّا أَمْكَنَتْكَ الشِّدَّةُ فِي خِيَانَةِ الْأُمَّةِ أَسْرَعْتَ الْكَرَّةَ « 1 » ، وَعَاجَلْتَ الْوَثْبَةَ « 2 » ، وَاخْتَطَفْتَ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمُ
الْمَصُونَةِ لِأَرَامِلِهِمْ وَأَيْتَامِهِمُ اخْتِطَافَ « 3 » الذِّئْبِ الْأَزَلِّ « 4 » دَامِيَةَ « 5 » الْمِعْزَى « 6 » الْكَسِيرَةَ « 7 » ،
فَحَمَلْتَهُ إِلَى الْحِجَازِ رَحِيبَ « 8 » الصَّدْرِ بِحَمْلِهِ غَيْرَ مُتَأَثِّمٍ « 9 » مِنْ أَخْذِهِ ، كَأَنَّكَ لَاأَبَا لِغَيْرِكَ
حَدَرْتَ « 10 » إِلَى أَهْلِكَ تُرَاثَكَ مِنْ أَبِيكَ وَأُمِّكَ » .
هذه العبارات البليغة في خطاب الإمام عليه السلام ناطقة بالمعنى وتشبيه الإمام لحالة
هامش
( 1 ) . « كَرَّة » تعني الهجوم .
( 2 ) . « الوَثْبَة » من مادة « وَثْب » على وزن « وصف » تعني الانتصار ، ثمّ استعملت بمعنى القفز للامساك بشيء .
( 3 ) . « اخْتِطَاف » تعني أخذ الشيء بسرعة .
( 4 ) . « الأَزَلّ » من مادة « زَلَل » تعني الإنسان أو حيوان الذي يملك أفخاذاً ضعيفة ، وبما أنّ مثل هذا الشخص باستطاعته الركض بسرعة فأطلقت هذه الكلمة بمعنى السريع وفي العَدُو .
( 5 ) . « دَامَيَة » تعني المجروحة والتي يخرج منها الدم ، من مادة « دَم » .
( 6 ) . « المِعزَى » فصيلة من الغنم واليشاه .
( 7 ) . « الكَسِيرَة » التي تكسر عظمها ، وعندما تستعمل في الأغنام وأمثالها تأتي بمعنى المكسورة اليد أو الرجل .
( 8 ) . « رِحِيب » بمعنى الواسع من مادة « رُحب » على وزن « قفل » وتعني السعة ، ورحيب الصدر يقال للشخص الباردالمزاج والذي يملك سعة الصدر وعدم المبالاة في مواجهة المثيرات .
( 9 ) . « مُتَأَثِّم » الشخص الذي يشعر بالذنب .
( 10 ) . « حَدَرْتَ » من مادة « حَدْر » على وزن « قدر » بمعنى الهبوط والنزول إلى الأسف ، وبما أنّ النزول عادة يتمّ بسرعة ، فأطلقت هذه الكلمة على السرعة أيضاً .