ويتابع الإمام عليه السلام خطابه لعمرو بن العاص :
« فَاتّبَعْتَ أَثَرَهُ ، وَطَلَبْتَ فَضْلَهُ ؛ اتِّبَاعَ الْكَلْبِ لِلضِّرْغَامِ « 1 » يَلُوذُ بِمَخَالِبِهِ « 2 » ، وَيَنْتَظِرُ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنْ فَضْلِ فَرِيسَتِهِ « 3 » فَأَذْهَبْتَ
دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ ! » .
وعادة في مثل هذه الموارد يتمّ التشبيه بالثعلب الذي يتحرك تبعاً للأسد المفترس لينتفع من فضلات مائدته وبقايا فريسته ، ولكن الإمام عليه السلام استخدم التشبيه بالكلاب بدل الثعلب ، لإظهار شدّة دنائة ووقاحة عمرو بن العاص ، ونعلم أنّ عمرو بن العاص هو الشخص الذي لم يكن قادراً على تولي الحكم والإمارة بنفسه ، ولكن من خلال مكره ودهائه في تقديم الخدمة لمعاوية بحيث أنّه أعطاه أخيراً ولاية مصر ، فكان أن خسر الدنيا ، لأنّه لم يبق له سمعة فيها ، وخسر الآخرة بما لا حاجة لبيانه .
وجاء في كتاب تاريخ اليعقوبي أنّ عمرو بن العاص عندما دنت منه الوفاة نظر إلى أمواله الكثيرة ( وقد صعب عليه أن يفارقها جميعاً ويذهب خال اليدين ) فقال لابنه : « ودّ أبوك أنّه كان مات في غزاة ذات السلاسل ، إنّي قد دخلت في أمور ما أدري ما حجّتي عند اللَّه فيها » ، ثمّ نظر إلى ماله فرأى كثرته وقال : « يا ليته كان بعراً يا ليتني مت قبل هذا اليوم بثلاثين سنة ، أصلحت لمعاوية دنياه وأفسدت ديني ، آثرت دنياي وتركت آخرتي ، عمي عليَّ رشدي حتى حضرني أجلي ، كأنّي بمعاوية قد حوى مالي وأساء فيكم خلافتي » « 4 » .
ويواصل الإمام عليه السلام توبيخه لعمرو ويقول :
« وَلَوْ بِالْحَقِّ أَخَذْتَ أَدْرَكْتَ مَا طَلَبْتَ » .
إشارة إلى أنّك كنت تملك الدنيا والآخرة لأنّك تملك الاستعداد الكافي للفوز بهما ، ولكنّك للأسف قد سرت في طريق الباطل وتوغلت في الرذيلة في حين أنّ
هامش
( 1 ) . « الضِّرْغَامِ » ، يعني الأسد .
( 2 ) . « مَخَالِب » من مادة « مخلب » على وزن « منبر » أظافر الحيوان المفترس .
( 3 ) . « فَرِيسَة » ، الصيد ، من مادة « فرس » على وزن « فقط » بمعنى القتل .
( 4 ) . تاريخ اليعقوبي ، ج 2 ، ص 222 ، وللمزيد من الاطلاع انظر شرح الخطبة 84 من هذا الكتاب ، ج 3 .