ولكنّ معنى العبارة المذكورة لا ينحصر بهذا المعنى ، بل إنّ عمرو بن العاص كان ، مضافاً إلى ذلك ، يهزأ من الشخصيّات المرموقة من أنصار الإمام علي عليه السلام وشيعته ويتحدّث معهم لدى حضورهم في مجلس معاوية بكلمات ركيكة وعبارات نابية قاصداً بذلك إهانتهم والسخرية منهم ، وفي المقابل كان الكثير منهم يردونه بجواب قاطع وحاسم من دون الاعتناء بالأخطار المحدقة بهم بسبب جرأتهم في حضور معاوية ، وعلى كلّ حال فإنّ معاوية كان رجلًا سئ الكلام وهاتكاً للحرمة .
ومن ذلك أنّ « جارية بن قدامة » كما ينقل العقد الفريد ، دخل يوماً إلى مجلس معاوية فقال له معاوية : « ما كان أهونَكَ على أهلِك إذ سَمَّوك جارية ! قال : ما كان أهونَك على أهلِك إذ سَمَّوكَ مُعاوية ! وهي الأنثى من الكلاب ، قال : لا امّ لك ! قال :
امّي وَلَدتْني للسُّيوف التي لَقِيناكَ بها في أيدينا ، قال : إنّك لَتُهدِّدني ، قال : إنَّك لم تَفْتَتِحْنا قَسراً ، ولم تَمْلِكنا عَنوةً ، ولكنّك أعطَيتنا عَهداً وَمِيثاقاً ، وأعطيناك سَمعاً وطاعة ، فإن وَفّيت لنا وَفَّينا لك ، وإن فَزِعت إلى غير ذلك ، فإنّا تَركنَا وراءنا رجالًا شِداداً ، وألسنَةً حُدَاداً ، قال معاوية : لا كَثّر اللَّه في الناس أمثالك ، قال جارية : قُلْ مَعرُوفاً ورَاعنا ، فإنّ شَرَّ الدُّعاء المُحتَطب » « 1 » .
وجملة :
« وَيُسَفِّهُ الْحَلِيمَ بِخِلْطَتِهِ » ،
إشارة إلى أنّه يقال في مجلسه كلام تافه وركيك إلى درجة أنّ الإنسان العاقل يعدّ سفيهاً في ذلك المجلس ، وهذه هي نتيجة المشاركة في مجلس يحضره معاوية ورفاقه .
هذه الأوصاف الأربع التي وصف بها الإمام عليه السلام معاوية ، بإمكانها تجسيد شخصيّة معاوية بكل وضوح وتبيّن من يدعي خلافة النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله ومن يجلس على منبره ، والأعجب من ذلك حال الأشخاص الذين قرأوا سيرته وتاريخه ومع ذلك يعتبرونه من الصحابة الأجلاء لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله ولا يبيحون أية إهانة تلحق به ! هذه نتيجة التعصب الأعمى الذي يجر الإنسان إلى كثير من البلايا والآفات .
هامش
( 1 ) . أنساب الأشراف ، ج 5 ، ص 62 ( مع التخليص ) .