وعلى ضوء ذلك فقائد الجيش ينبغي أن يتعامل مع القادة في المراتب الأدنى ، بل مع جميع أفراد الجيش ، كالوالد الحنون والامّ العطوف ، ويتواصل معهم من موقع المحبّة والسؤال والاستفسار عن حاجاتهم وتعميق العلاقة العاطفيّة معهم فيما يتسبب في بقاء وفائهم وإخلاصهم وطاعتهم لقائد الجيش وثباتهم في ميدان القتال .
ويضيف الإمام عليه السلام في التوصية الثانية :
« وَلَا يَتَفَاقَمَنَّ « 1 » فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ » .
وهذه إشارة إلى أنّ خدماتك مهما تكن كبيرة وكثيرة فينبغي أن تعدّها صغيرة وتفكر في الإتيان بالأفضل منها .
وفي التوصية الثالثة يقول عليه السلام :
« وَلَا تَحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ « 2 » بِهِ وَإِنْ قَلَّ » .
ثمّ يقيم الإمام عليه السلام دليلًا لهذه المقولة ( وهي الاهتمام بالأمور الكليّة والجزئيّة لقادة الجيش والجنود ) ويقول :
« فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِيحَةِ لَكَ ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ » .
وفي التوصية الرابعة يقول عليه السلام :
« وَلَا تَدَعْ تَفَقُّدَ لَطِيفِ أُمُورِهِمُ اتِّكَالًا عَلَى جَسِيمِهَا ، فَإِنَّ لِلْيَسِيرِ مِنْ لُطْفِكَ مَوْضِعاً يَنْتَفِعُونَ بِهِ ، وَلِلْجَسِيمِ مَوْقِعاً لَايَسْتَغْنُونَ عَنْهُ » .
وهذه النقطة جديرة بالانتباه والتدقيق ، وهي أنّ القادة بل جميع مدراء المجتمع الإسلامي لا ينبغي أن يغفلوا عن الأمور الصغيرة والكبيرة ، أو يهتموا فقط بالأمور الكبيرة والمصيرية ويعتنوا بالحاجات المهمّة للمجتمع ، بل يضعون كلّ واحدة في مكانها ، لأنّه أحياناً تكون الغفلة عن الأمور الفرعية مضرّة بقدر الغفلة عن الأمور الكلّية .
والنقطة الملفت للنظر أنّ الإمام عليه السلام في جميع المسائل السابقة وبدلًا من اهتمامه
هامش
( 1 ) . « لَا يَتَفَاقَمَنَّ » من مادة « تفاقُم » بمعنى الكبير والخطير ، من مادة « فقم » على وزن « فهم » .
( 2 ) . « تَعَاهَدْتَهُمْ » من مادة « تعاهُد » ومن مادة « عهد » وأحياناً تأتي بمعنى إيجاد العقد والمعاهدة ، وأخرى بمعنى القوامة على الشيء وبالاهتمام به ، وما جاء في بعض الروايات أنّ المسلم عندما يدخل إلى المسجد يتعاهد النعالين ، إشارة إلى هذا المعنى والتحقيق في نعليه لئلا يكونا ملوثتان ، وجاء في حديث شريف عن النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله : « تَعَاهَدُوا نِعَالَكُمْ عِنْدَ أَبْوَابِ مَسَاجِدِكُمْ » ( بحار الأنوار ، ج 80 ، ص 367 ) . وجاءت في العبارة أعلاه بهذا المعنى أي الاهتمام بأمر الجيش .