الآخرين بالعدالة ، فمن هذه الجهة يطلق عليه « انصاف » وبعبارة أخرى أنّ الانصاف هو أن يحبّ الإنسان للآخرين ما يحبّ لنفسه وأقربائه وأصدقائه ، ويكره للآخرين ما يكره لنفسه والأشخاص المتعلقين به .
ونقرأ في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال :
« سَيِّدُ الْأَعْمَالِ ثَلَاثَةٌ إِنْصَافُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ حَتَّى لَاتَرْضَى بِشَيْءٍ إِلَّا رَضِيتَ لَهُمْ مِثْلَهُ » « 1 » .
وأمّا الانصاف بالنسبة للَّهتعالى فهو أن يقسم الإنسان المواهب الإلهيّة بشكل عادل ، فنصفها ينفقها في سبيل اللَّه ويبقي النصف الآخر لنفسه ، وهكذا يقسم وقته وفكره وإمكاناته الأخرى بهذا المنوال حتى يراعي على الأقل الانصاف وإن لم يصل إلى حدّ الإيثار .
ومن الطبيعي أنّ هذا العمل ليس بالهين واليسير ، لأنّ الإنسان يميل دوماً نحو ترجيح كفّة نفسه وأقربائه على كفّة الآخرين ، ومن هنا ورد في الخبر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال لأحد أصحابه :
« ألا اخْبُرُكَ بِأشَدِّ ما فَرَضَ اللَّهُ عَلى خَلقِهِ »
، قلت :
بلى . قال :
« إِنْصَافُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ وَمُوَاسَاتُكَ أَخَاكَ وَذِكْرُ اللَّهِ فِي كُلِّ مَوْطِن . . . » « 2 » .
والفرق بين الانصاف والمواساة ، هو أنّ الانصاف يكون في مورد الحقوق ، والمواساة تقع في جميع مواهب الحياة ونعم اللَّه تعالى على الإنسان .
ويتابع الإمام عليه السلام كلامه ويذكر دليلًا على قوله ، وهذا الدليل مركب ، في الحقيقة ، من صغرى وكبرى ونتيجة ويقول :
« فَإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ ! وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللَّهِ كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللَّهُ أَدْحَضَ « 3 » حُجَّتَهُ ، وَكَانَ لِلَّهِ حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ « 4 » أَوْ
يَتُوبَ » .
هامش
( 1 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 144 ، ح 3 .
( 2 ) . المصدر السابق ، ص 145 ، ح 8 .
( 3 ) . « ادحض » من مادة « دحض » على وزن « محض » وتعني بطلان الشيء ، وعندما تأتي من باب إفعال تعني إظهارالبطلان ، وإبطال الحجّة في مورد بمعنى عدم قبول العذر .
( 4 ) . « ينزع » من مادة « نزع » على وزن « نظم » يعني قلع وفصل الشيء وتركه ، وينبغي الالتفات إلى أنّ التناسب في الجملة أعلاه يقتضي أن تكون « أو » بمعنى الواو ، وجاء في بعض نسخ نهج البلاغة واو بدل « أو » .