تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
ويتبيّن من عبارة « وَلَا يَشْقَى إِلَّا مَعَ جُحُودِهَا . . » أنّ طريق سعادة الدنيا والآخرة منحصر في هذا المسلك وأنّ الطرق الأخرى تقود الإنسان في خط الضلالة والمتاهة ، وطبعاً فهذا لا يعني نفي الإدراكات العقليّة والحاق الهداية الباطنيّة بها ، لأنّ من جملة الأمور التي ورد التأكيد عليها في كتاب اللَّه اتّباع العقل ، وهو ما ورد في عشرات الآيات الكريمة . وفي التوصية الثالثة يقول الإمام عليه السلام : « وَأَنْ يَنْصُرَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِقَلْبِهِ وَيَدِهِ وَلِسَانِهِ ؛ فَإِنَّهُ ، جَلَّ اسْمُهُ ، قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ ، وَإِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ » . التعبير بنصرة اللَّه تعالى بالقلب واليد واللسان ، كما ذكر بعض الشرّاح ، إشارة إلى ما يتصل بالقلب من الاعتقادات ، واليد إشارة إلى جهاد الأعداء ، واللسان إشارة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن البعض يعتقد أنّ القلب لا يشير فقط إلى العقائد ، بل إلى حالات النفور الباطني من القبائح والرذائل والعشق لأعمال الخير أيضاً ، وكذلك بالنسبة لليد فليست إشارة لجهاد الأعداء فقط ، بل إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مورد الحاجة لمقدمات عمليّة والتي تدخل عادة في وظائف الحكومة الإسلاميّة ، وأمّا اللسان فيشمل جميع أشكال التعليم والتربية الصحيحة مضافاً إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . . عبارة « قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ . . » إشارة إلى ما ورد في الآيات القرآنيّة الشريفة الناظرة إلى هذا المعنى ، ومن ذلك ما ورد في الآية 7 من سورة محمّد : « إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُم » . وفي التوصية الرابعة يقول الإمام عليه السلام : « وَأَمَرَهُ أَنْ يَكْسِرَ نَفْسَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ ، وَيَزَعَهَا « 1 » عِنْدَ الْجَمَحَاتِ « 2 » ، فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ، إِلَّا مَا رَحِمَ اللَّهُ » . والحقيقة أنّ هذه التوصيات والدساتير الأخلاقيّة الأربع تمثّل برنامجاً كاملًا
هامش
( 1 ) . « يزع » من مادة « وزع » على وزن « وضع » بمعنى المنع النفس وحفظها من الجنوح والجموح ، وأحياناً تأتي بمعنى جمع الأفراد حول بعضهم ، لأنّ ذلك يمنعهم من التفرق والانتشار . ( 2 ) . « الجمحات » جمع « جمحة » على وزن « صدقه » بمعنى الحوادث أو عوامل التمرد والعناد .
نفحات الولاية — صفحة 292 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي