الأخذ بنظر الحسبان أنّ مصر بلد زارعي وأنّ أهالي مصر يولون اهتماماً كبيراً بمسألة الزراعة ، فكأنّ الإمام عليه السلام لم يجد حاجة لذكرها واقتصر على الإشارة إلى المشاكل الصناعية والتجارية ، ولكن عندما يتحدّث عن أخذ الخراج يأمر مالك الأشتر بأن يقوم ، في ذات الوقت الذي يأخذ الخراج ، بمراقبة عمليّة الأعمار واستصلاح الأراضي واجتناب التشدد مع الزرّاع بما يتسبب في قلّة المحاصيل الزراعية .
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يواصل استعراضه لهذه الأصول الأخلاقيّة الأربعة مخاطباً مالك الأشتر ، والتي تشكل في الحقيقة الأركان الأصليّة المعنويّة للحكومة .
بداية يقول :
« أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ » .
إنّ خطب الإمام عليه السلام ورسائله وكلماته القصار في نهج البلاغة زاخرة بأمر التوصية بالتقوى ، التي تمثل رأس مال سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة ، فالتقوى تعني الاحساس بالمسؤوليّة الباطنيّة واجتناب كلّ أشكال الإثم والذنب والتعدي والإجحاف ، وبعبارة أخرى أنّ التقوى تمثّل حالة معنويّة كابحة ، تتولى حفظ مسيرة الإنسان في طريق الحقّ وتضمن عدم انحرافه عن الصراط المستقيم ، ومعلوم أنّ مسؤوليّة الإنسان كلّما ازدادت وثقلت فإنّها تستدعي حالة أعمق وأقوى من التقوى .
وفي التوصية الثانية يقول الإمام عليه السلام :
« وَإِيْثَارِ طَاعَتِهِ ، وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ :
مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ ، الَّتِي لَايَسْعَدُ أَحَدٌ إِلَّا بِاتِّبَاعِهَا ، وَلَايَشْقَى إِلَّا مَعَ جُحُودِهَا وَإِضَاعَتِهَا » .
« الفرائض » و « السنن » تعني عادة الواجبات والمستحبات ، وقيل : إنّ « الفرائض » هي الواجبات الواردة في كتاب اللَّه ، و « السنن » هي الأحكام والواجبات الورادة في السنّة الشريفة وكلام النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، وفي هذه الصورة تكون جملة :
« مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ . . »
شاملة للأمر بإطاعة النّبي في بيان الأحكام الإلهيّة أيضاً ، فيحتمل في معنى هاتين المفردتين أنّ « الفرائض » إشارة إلى الواجبات المهمّة ، و « السنن » إشارة إلى الواجبات التي تأتي بالدرجة الثانية بعدها .
نفحات الولاية — صفحة 291
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٩١