تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
والحقب الزمنية لا زالت باقية ، وهذه علامة أخرى عن عظمة هذه الحضارة القديمة . لقد كانت مصر تمثّل إحدى المراكز العلمية والحضارية المهمّة في العالم ، وخاصّة مدينة الإسكندرية التي تعد - وفقاً للمدارك والاسناد التاريخيّة - أحد أهم هذه المراكز العلميّة ، ولم يقتبس أهالي مصر علوم اليونان فحسب ، بل أضافوا إليها علوماً كثيرة أخرى ، ففي الحقيقة أنّ مصر لم تكن بمثابة محافظة أو منطقة من الحكومة الإسلاميّة ، بل دولة كبيرة وواسعة يقطن فيها شعب متمدن . وقد دخلت مصر في عام 19 للهجرة في زمان الخليفة الثاني تحت لواء الإسلام بواسطة الجيش الإسلامي الذي أرسله الخليفة الثاني لفتحها ، ومنذ ذلك الزمان والمصريون يعيشون في ظلّ الإسلام وقد تقبلوا ، كالايرانيين ، هذا الدين الجديد الذي يملك ثقافة قوية وتظهر على تعاليمه معالم الحقانيّة ، ولكن للأسف فإنّ بعض الحكّام الظلمة أمسكوا بمقاليد السلطة في مصر من قِبل الخلفاء ومنهم : عبداللَّه بن أبي سرح « 1 » الذي تولى ولاية مصر في زمان عثمان وتسبب ظلمه وجوره على أهالي مصر في انتفاضتهم على الوضع السائد ، وكما نعلم أنّ هذه الانتفاضة امتدت إلى المدينة ، وقد زادت أخطاء الخليفة الثالث في الطين بلة ، وعملت على تعميق الخلل والشعور بالاستياء لدى عامّة الناس ، ومن ذلك ما أصدره عثمان من عزل عبداللَّه وكتب فيها كتاباً وسلّمه إلى الثوار ليعودوا إلى مصر ، ولكنّه أرسل رسالة أخرى إلى عبداللَّه بن أبي سرح يأمره فيها بقتل هؤلاء الثوار في حال عودتهم إلى مصر ، وقد وقعت هذه الرسالة بيدهم في وسط الطريق ، فعادوا من فورهم ووقعت حادثة قتل عثمان . أمّا الإمام علي عليه السلام فإنّه من أجل جبران الأخطاء المذكورة ، أرسل في بداية الأمر محمّد بن أبي بكر لحكومة مصر ، ولما ثبت عملياً أنّه لا يستطيع تحمل هذه
هامش
( 1 ) . كتبنا في شرح حال عبد اللَّه أبي سرح - الأخ الرضاعي لعثمان - في الإسلام ، في ذيل الرسالة 38 من الجزءالتاسع من هذا الكتاب .