جاءكم فاسق . . » حيث أطلق عليه القرآن وصف الفاسق ) وكان حاضراً عند معاوية وقد رأى اعجابه به ، فقال لمعاوية : مر بهذه الأحاديث أن تحرق . فقال معاوية : مه ، لا رأي لك ! فقال الوليد : أفمن الرأي أن يعلم الناس إنّ أحاديث أبي تراب عندك تتعلم منها ! فقال معاوية : ويحك أتأمرني أن أحرِق علماً مثل هذا ! واللَّه ما سمعت بعلم هو أجمع منه ولا أحكم . فقال الوليد : إن كنت تعجب من عمله وقضائه فعلام تقاتله ؟ فقال : لولا أنّ أبا تراب قتل عثمان ثمّ أفتانا لأخذنا عنه . ثمّ سكت هينهة ، ثمّ نظر إلى جلسائه وقال : إنّا لا نقول : إنّ هذه من كتب علي بن أبي طالب ، ولكن نقول :
هذه من كتب أبي بكر الصديق كانت عند ابنه محمّد ، فنحن نظر فيها ، ونأخذ منها .
قال : فلم تزل تلك الكتب في خزائن بني اميّة حتى ولي عمر بن عبد العزيز ، فهو الذي أظهر أنّها من أحاديث علي بن أبي طالب عليه السلام .
والجدير بالذكر أنّ ابن أبي الحديد بعد أن نقل هذا الكلام عن صاحب « الغارات » يقول : « الأليق أن يكون الذي كان معاوية ينظر فيه ويعجب منه ، ويفتي به ويقضي بقضاياه وأحكامه هو عهد الإمام علي عليه السلام إلى الأشتر ، فإنّه نسيج وحده ، ومنه تعلّم الناس الآداب والقضايا والأحكام والسياسة ( والحال أن كتاب الإمام عليه السلام لمحمّد بن أبي بكر يتضمّن مجموعة من المسائل الأخلاقية ) وهذا العهد صار إلى معاوية لما سمّ الأشتر ومات قبل وصوله إلى مصر ، فكان ينظر فيه ويعجب منه ، وحقيق مثله ( يعني الكتاب العهدي ) أن يقتنى في خزائن الملوك » « 1 » .
وعلى ضوء ذلك فإنّ ابن أبي الحديد يعتقد بأنّ هذه الرسالة التاريخيّة الفريدة ، التي كان معاوية يستفيد منها ولم يظهر ذلك لأحد وبعده انكشف الستار عنها بواسطة عمر بن عبد العزيز ، هي ما نحن بصدده من عهد أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر .
ونحن بدورنا نؤيد نظر ابن أبي الحديد بصورة كاملة ، لأنّ القرائن والشواهد المختلفة تشهد على هذا المعنى .
هامش
( 1 ) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 6 ، ص 72 و 73 .