تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
أجل ، كما قلنا مراراً أنّ التقوى تعني الاحساس بالمسؤوليّة الباطنيّة في مقابل الأوامر الإلهيّة ، فهي تمثّل عصارة تعاليم جميع الأنبياء والأولياء وبدونها لا يستطيع أي شخص الخلاص من الوساوس الشيطانيّة والأهواء النفسانيّة ، فمفتاح الجنّة هو التقوى ، والمركب الذي يركبه السائل في مراتب السلوك المعنوي والقرب الإلهي هو الورع . ثمّ إنّ الإمام عليه السلام في الوصيّة الثانية والثالثة يقول : « وَأَلَّا تَبْغِيَا « 1 » الدُّنْيَا وَإِنْ بَغَتْكُمَا ، وَلَا تَأْسَفَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا زُوِيَ « 2 » عَنْكُمَا » . ومعلوم أنّ الدنيا ذات أبعاد وأقسام مختلفة : قسم منها ضروري لحياة الإنسان وبقائه ، والقسم الآخر يتمثّل في وسائل الترفيه بالشكل المعقول ، ولكن القسم الذي يتضمّن أكثر من ذلك والإنسان يتجه نحوه بدافع الأهواء والتفاخر وأمثال ذلك ، وبديهي أنّ الإمام عليه السلام لا ينهى عن القسم الأوّل والثاني ، بل هو ناظر إلى القسم الثالث ، كما ورد هذه المعنى في القرآن الكريم : « وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ » « 3 » وقطعاً إذا تحرك الإنسان بهذا الاتجاه من طلب الدنيا فإنّ ذلك يبعده عن اللَّه والآخرة ويدفعه للتلوث بأنواع الذنوب والمعاصي . وعندما يقول الإمام عليه السلام : « وَلَا تَأْسَفَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا » ، فالعلّة في ذلك جلية لأنّ التأسف على شيء فقده الإنسان في الماضي لا يعيده إليه ، هذا أوّلًا ، وثانياً ، إنّ هذه الحالة السلبية في النفس من شأنها إعاقة الفعاليات الإيجابيّة وعدم تركيز الاهتمام لحفظ ما يملكه الإنسان حالياً . وهذا الكلام في الحقيقة مقتبس من القرآن الكريم ويقول : « لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ » « 4 » .
هامش
( 1 ) . « تبغيا » و « بغت » كلاهما من مادة « بغاء » على وزن « سناء » بمعنى طلب الشيء . ( 2 ) . « زوى » من مادة « زيّ » على وزن « حيّ » وتعني الإبعاد والنهي ، وفي الجملة أعلاه « زوي » بمعنى اخذ . ( 3 ) . سورة الحديد ، الآية 20 . ( 4 ) . سورة الحديد ، الآية 23 .
نفحات الولاية — صفحة 202 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي