القسم الرابع
فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ ، كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ ، هَمُّهَا عَلَفُهَا ؛ أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا ، تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلَافِهَا ، وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا ، أَوْ أُتْرَكَ سُدًى أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً ، أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ الضَّلَالَةِ ، أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِيقَ الْمَتَاهَةِ ! وَكَأَنِّي بِقَائِلِكُمْ يَقُولُ : « إِذَا كَانَ هَذَا قُوتُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَدْ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ عَنْ قِتَالِ الْأَقْرَانِ ، وَمُنَازَلَةِ الشُّجْعَانِ » . أَلَا وَإِنَّ الشَّجَرَةَ الْبَرِّيَّةَ أَصْلَبُ عُوداً ، وَالرَّوَاتِعَ الْخَضِرَةَ أَرَقُّ جُلُوداً ، وَالنَّابِتَاتِ الْعِذْيَةَ أَقْوَى وَقُوداً وَأَبْطَأُ خُمُوداً .
وَأَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ كَالضَّوْءِ مِنَ الضَّوْءِ ، وَالذِّرَاعِ مِنَ الْعَضُدِ . وَاللَّهِ لَوْ تَظَاهَرَتِ الْعَرَبُ عَلَى قِتَالِي لَمَا وَلَّيْتُ عَنْهَا ، وَلَوْ أَمْكَنَتِ الْفُرَصُ مِنْ رِقَابِهَا لَسَارَعْتُ إِلَيْهَا . وَسَأَجْهَدُ فِي أَنْ أُطَهِّرَ الْأَرْضَ مِنْ هَذَا الشَّخْصِ الْمَعْكُوسِ ، وَالْجِسْمِ الْمَرْكُوسِ ، حَتَّى تَخْرُجَ الْمَدَرَةُ مِنْ بَيْنِ حَبِّ الْحَصِيدِ .
الشرح والتفسير : لست كالبهيمة المربوطة !
يشير الإمام عليه السلام في هذا المقطع من الرسالة إلى أربع نقاط مهمّة ، الأولى : أنّه يشير إلى هدفه من الزهد الشديد والتقشف الشامل ويقول :
« فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ ، كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ « 1 » ، هَمُّهَا عَلَفُهَا ، أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا « 2 » ، تَكْتَرِشُ « 3 »
هامش
( 1 ) . « المربوطة » تعني في هذا المورد الحيوان الذي يربط لغرض زيادة سمنه ولحمه .
( 2 ) . « تقمّم » بمعنى أخذ جميع ما يحتاج للسفر من طعام ومتاع ، وفي الأصل من مادة « قمّ » على وزن « غمّ » وتعني تنظيف الدار وتعديلها ، وكذلك تطلق على قطف الرياحين والنباتات بشكل كامل بواسطة شفاه الحيوان .
( 3 ) . « تكترش » من مادة « كرش » على وزن « كرج » وتعني معدة الحيوانات ، وعليه فإنّ « إكتراش » تعني امتلاء المعدّة .