4 . نظرة لسيرة زياد بن أبيه
كما تمّت الإشارة إليه آنفاً فقد كان زياد في الأصل يدعى زياد بن عبيد ، وكان أبوه عبداً وراعياً وكانت امّه جارية أبي حارث بن كلدة الطبيب العربي المعروف ، وأحياناً يقال له : زياد بن أبيه ، وأخرى زياد بن امّه ، لأنّ أباه عبد وليس له مكانة اجتماعيّة في الناس ، وبعد أن ألحقه معاوية بنفسه صار يقال له زياد بن أبي سفيان وكان منذ صباه ذكياً وخطيباً مفوهاً وبليغاً ، ولد في الطائفة في عام فتح مكّة ، وقيل إنّه ولد في عام الهجرة وقال آخرون أنّه ولد يوم بدر ، ولكنّه لم يشاهد النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، وكان مع أمير المؤمنين عليه السلام في جميع حروبه ، وبقي مع الإمام الحسن عليه السلام إلى زمان صلحه مع معاوية ، وبعد ذلك خدعه معاوية وطلب منه المجيىء إليه وتوفي زياد في الكوفة في شهر رمضان عام 53 في سن 56 ( وذهب بعضهم إلى أنّ عمره أكثر من ذلك أو أقل ) .
أمّا سيرة حياته فتتشكل من مرحلتين متفاوتين تماماً ، المرحلة الأولى كان يتحرك في خط الحقّ ، وكان رجلًا موثوقاً ومديراً مدبراً ، ولهذا السبب عيّنه الإمام علي عليه السلام والياً له على فارس ، وقد أدار المنطقة بشكل جيد وكا يجمع الخراج بأفضل صورة ويرسله إلى أمير المؤمنين عليه السلام فبلغ ذلك إلى معاوية واشتد عليه هذا الأمر ، فكتب له رسالة وذكر له في مضمونها : أمّا بعد فإنّه غرّتك قلاع تأوي إليها ليلًا ، كما تأوي الطير إلى وكرها ، وأيّما اللَّه لولا انتظار بك واللَّه أعلم به لكان لك منّي ما قاله العبد الصالح : « فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّاقِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ » « 1 » وكتب في أسفل الكتاب شعر من جملته :
تَنسى أَبَاكَ وَقَد شَالتْ نُعُومَتُهُ * إذا يَخطب النّاسَ وَالوَالِي لَهُم عُمَرُ
فلمّا ورد الكتاب على زياد قام فخطب الناس وقال : العجب من ابن آكلة الأكباد
هامش
( 1 ) . سورة النمل ، الآية 37 .