وَيَسْتَفِلُّ « 1 » غَرْبَكَ « 2 » ، فَاحْذَرْهُ ، فَإِنَّمَا هُوَ الشَّيْطَانُ » .
ويستفاد من هذه العبارات وعبارات أخرى وردت في الرسائل السابقة ، أنّ جواسيس الإمام عليه السلام كانوا ينتشرون في جميع البلاد الإسلاميّة ، حتى أنّهم كانوا يصلون إليه الرسائل الخاصّة التي تصل إلى ولاته من قِبل الأعداء ، ليستطيع الإمام التصدي للخطر في الوقت المناسب ، ونرى أنّ الإمام عليه السلام في مطلع هذه الرسالة يحذّر زياد بن أبيه من شيطنة معاوية وأن يتخذ جانب الحيطة والحذر من مكره ودسائسه .
ثمّ يضيف في توضيح ذلك :
« يَأْتِي الْمَرْءَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ، لِيَقْتَحِمَ « 3 » غَفْلَتَهُ ، وَيَسْتَلِبَ « 4 » غِرَّتَهُ « 5 » » .
وهذا الكلام للإمام عليه السلام مقتبس من الآية الشريفة 17 من سورة الأعراف حيث تتحدّث عن قول الشيطان : « ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْديهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرينَ » .
والمقصود أنّ الشيطان يستخدم كلّ وسيلة لخداع الناس وإغوائهم ، فأحياناً يستخدم آلية التطميع أو أخرى التهديد وثالثة الشهوات والأهواء والنوازع النفسانيّة ، ورابعة عن طريق الآمال والتمنيات والمناصب والمقامات الموهومة والعناوين البراقة ، والغاية من كلّ ذلك تنحصر بأمر واحد ، ألا وهو إغواء الإنسان وسوقه في متاهات الضلالة والهلكة .
وقد استخدم شيطانِ الشام هذا الأسلوب أيضاً وسعى إلى خداع الناس كلّ بحسب طريقته الخاصّة لجذبهم إليه والاستفادة منه في مسار تحقيق مطالبه وشهواته .
وينقل عن أحد العرفاء أنّه قال : ما من صباح إلّاقعد لي الشيطان على أربعة
هامش
( 1 ) . « يَسْتَفِلُّ » من مادة « فَلل » على وزن « قمر » بمعنى كسر الشيء أو التقليل من حدّة السكين .
( 2 ) . « غَرْب » بمعنى النشاط ، وكذلك التصميم .
( 3 ) . « لِيَقْتَحِم » من مادة « اقتِحام » بمعنى إدخال الشيء بالقوّة في شيء آخر .
( 4 ) . « يَسْتَلِب » من مادة « استِلابة » بمعنى النهب والغارة والسرقة ، وأصلها من « سلب » .
( 5 ) . « غِرّة » بمعنى الغفلة والتساهل .