الْأَفَاعِيلَ « 1 » ، مَنَعُونَا الْعَذْبَ « 2 » ، وَأَحْلَسُونَا « 3 » الْخَوْفَ ، وَاضْطَرُّونَا إِلَى جَبَلٍ وَعْرٍ « 4 » ، وَأَوْقَدُوا « 5 » لَنَا نَارَ الْحَرْبِ » .
هذه العبارات إشارة إلى مقطع مهمّ وعظيم من تاريخ الإسلام يبيّن فيها الإمام عليه السلام سلوك الأعداء وخاصة قبيلة قريش تجاه النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله والرسالة الإلهيّة ، فقد واجه النبيّ والمسلمون في مكة صنوف الأذى من قريش والقذف بالحجارة والاستهزاء والتعذيب بمختلف الأشكال ، وأخيراً عندما شعروا بالخوف من تقدّم الإسلام وامتداده في القبائل العربية حوالي مكة ، عزموا على محاصرة المسلمين الذين كانوا ثلّة قليلة ، اجتماعياً واقتصادياً وكتبوا ذلك الكتاب المعروف بأن لايتواصل أيّ شخص من قريش وسائر العرب مع المسلمين ولا يبيعونهم شيئاً ولا يشتروا منهم ولا يتزوّجوا منهم ولا يزوّجوهم ، وختموا هذا العهد ووضعوه داخل الكعبة تأكيداً منهم على الالتزام بهذا الميثاق ، والتجأ المسلمون إلى شعب أبي طالب « 6 » الذي كان وادياً موحشاً ومليئاً بالأحجار وعاشوا هناك ثلاث سنوات من الحرمان الشديد تحت طائلة الحصار الاقتصادي ، فكانت تلك الأيّام من أصعب الأيّام التي عاشها المسلمون مع النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله إلى درجة أنّ أصوات بكاء الأطفال والجائعين كانت تسمع من خارج الشعب ، وأخيراً عندما أخبرهم النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله
هامش
( 1 ) . « الأفاعيل » جمع « أفعال » وهو جمع « فعل » ، وفي هذه الموارد وردت بمعنى الأعمال الكبيرة وأشكال التآمروالدسيسة .
( 2 ) . « العذب » بمعنى الرواء الهنيء ، وتارة يقصد به البعد الظاهري ، والبعد الباطن والمعنوي .
( 3 ) . « احلسونا » أصلها « حلس » على وزن « حرص » وتعني القماش الناعم الذي يوضع تحت أقتاب الإبل ، وفي الحقيقة يلتصق ببدن الإبل ، ثم اطلق على كل شيء يلازم شيئاً آخر ، مثلًا ، يقال : فلان حلس البيت ؛ يعني أنّه لا يخرج من بيته ، والجملة أعلاه « أحْلَسُونَا الْخَوْفَ » تعني أنّ الأعداء فرضوا علينا حالات الخوف والرعب الدائم .
( 4 ) . « وعر » الأرض الصعبة والمليئة بالأحجار وغير المعبدة .
( 5 ) . « أوقدوا » أصلها من « الإيقاد » بمعنى اشعال النار وهي من « الوقود » بمعنى إشعال الشيء .
( 6 ) . خلافاً لما يتوهم البعض من أنّ شعب أبي طالب هو محل قبر أبي طالب الذي يقع الآن على مقربة من جسرالحجون ، لأنّه تفصله فاصلة كبيرة مع المسجد الحرام والكعبة ، وشعب أبي طالب كان وادياً إلى جانب جبل أبيقبيس ، ولذلك ورد في التواريخ أنّ صوت بكاء أطفال المسلمين من شدّة جوع والآلام الآخرى كان يسمع ليلًا في المسجد الحرام من ذلك الوادي .