تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
والملفت للنظر أنّ الإمام عليه السلام في هذه الجمل الثلاث استفاد من التجانس بين الثنائيات بشكل لازم وملزوم ، فيقول في الجملة الأولى : ( لَيْسَ لَهُ بَصَرٌ يَهْدِيهِ ، وَلَا قَائِدٌ يُرْشِدُهُ ) وقال في الجملة الثانية التي تعتبر نتيجة لما سبق : « قَدْ دَعَاهُ الْهَوَى فَأَجَابَهُ ، وَقَادَهُ الضَّلَالُ فَاتَّبَعَهُ » وفي الجملة الثالثة التي تعتبر نتيجة للجملة الثانية يقول : « فَهَجَرَ لَاغِطاً ، وَضَلَّ خَابِطاً » ، أي يتحدّث في خبط وهذيان بسبب الضلالة والسير في متاهة الحيرة ، والحقيقة كذلك ، لأنّ نور الهداية إمّا أن ينبع من باطن الإنسان أو يحصل عليه الإنسان من خارجه من خلال التمسّك بالقادة الإلهيين والمرشدين الصالحين ، وفي غير هذه الصورة فإنّ الإنسان يعيش الظلمات الباطنية والضلالة الخارجية التي تنشأ بسبب مشورة الأشخاص المنحرفين والانتهازيين ، وهكذا ينحدر الإنسان في هوّة الضلالة ومنزلقات الجهالة ، فلا يملك حينئذٍ كلاماً منطقيّاً ولا تسير أعماله وفق التخطيط العقلاني المدروس . ثم إنّ الإمام عليه السلام يشير في رسالته الجوابية إلى أحد اشتباهات معاوية الكبيرة التي ذكرها في رسالته ، فقد كتب معاوية في رسالته أنّ بيعة المسلمين للإمام عليه السلام لم تكن صحيحة ، لأنّ أهل الشام لم يقبلوا بها ، فيقول الإمام في مقام الجواب : « لِأَنَّهَا بَيْعَةٌ وَاحِدَةٌ لَايُثَنَّى فِيهَا النَّظَرُ « 1 » ، وَلَا يُسْتَأْنَفُ فِيهَا الْخِيَارُ . الْخَارِجُ مِنْهَا طَاعِنٌ ، وَالْمُرَوِّي « 2 » فِيهَا مُدَاهِنٌ « 3 » » ، يعني أنّ بيعة الخلافة لا تقع سوى مرّة واحدة غير قابلة للتعديل ولا للتجديد . وفي الحقيقة أنّ الإمام عليه السلام استدلّ في هذا المقطع بإحدى المسلّمات في مسألة الخلافة عند معاوية ، لأنّه يعتقد بأنّ خلافة الخلفاء السابقين قامت على أساس آراء
هامش
( 1 ) . « النظر » تعني هنا التأمل والتدبر ، يعني أنّ البيعة بعد انعقادها غير قابلة للتأمل والتشويه ( هذا في صورة أن‌تكون « في » متعدية . ( 2 ) . « مروّي » الشخص الذي يشك ويتردد في أمر ويفكر ويتأمل فيه وهي من « التروية » ، وتأتي أحياناً بمعنىشرب الماء وإزالة الظمأ ، وأخرى بمعنى المطالعة والتأمل في شيء . ( 3 ) . « مداهن » تعني المتملق والمنافق والمتزلف .