يقول المرحوم التستري في شرحه لنهج البلاغة نقلًا عن كتاب تاريخ بغداد : كان لمحمّد بن ميمون أبي حمزة السكري « 1 » ( من مشاهير عصره ) جار أراد أن يبيع داره ، فقيل له : بكم ، قال : بألفين ( دينار ) عن الدار ، وألفين ( دينار ) عن جوار أبي حمزة ، فبلغ ذلك أبا حمزة فوجّه إليه أربعة آلاف ( دينار ) ، فقال : خذ هذه ولا تبع دارك « 2 » .
الثامنة والعشرون : يقول الإمام عليه السلام في هذه الفقرة الأخيرة من وصيّته الزاخرة بالقيم والنصائح المفيدة : « إِيَّاكَ أَنْ تَذْكُرَ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَكُونُ مُضْحِكاً ، وَإِنْ حَكَيْتَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِكَ » .
لأنّ مثل هذا الكلام يزيل هيبة الإنسان من جهة ، ومن جهة أخرى يقترن غالباً بالغيبة أو السخرية من الآخرين من ذوي الوجاهة في المجتمع ، ومن هنا سيكون مثل هذا الكلام باعثاً للإضرار بالإنسان في الدنيا وفي الآخرة ، سواء كان هذا الكلام من عنده أو نقلًا عن شخص آخر ، فلا فرق في الغيبة أو السخرية أن تكون من إبداع الشخص نفسه أو حكاية عن غيره .
وطبعاً فإنّ هذا لا يعني أنّ الإنسان يجب أن يترك كلّ أشكال المزاح المشروع والفكاهة اللطيفة ، أو أن يجلس في المجالس بوجه عبوس ومكفهرّ ، لأننا نعلم أنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وأئمّة أهل البيت عليهم السلام والعلماء الكبار كانوا يمزحون فيما بينهم ويتحدّثون باللطائف والفكاهة أحياناً ، بل وردت التوصية بالمزاح في السفر أكثر للتخفيف من ضغط المشاكل والصعوبات التي يواجهها الإنسان في سفره ، يقول العلّامة السيد بحر العلوم في أشعاره الفقهية :
وَاكْثِرِ الْمِزاحَ فِى السَّفرِ إذا * لَمْ يُسْخِطِ الرَّبَّ وَلَمْ يَجْلِبْ أذىً
وهذا الكلام مقتبس من الحديث النبويّ الشريف ، قال النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله : « وَأَمَّا
هامش
( 1 ) . كان هذا الشخص في زمانه من شيوخ خراسان وكان عالماً وخبيراً وكريماً وذا فكاهة في كلامه ولهذا لقبّب « السكري » . ( اعلام الزركلي ) .
( 2 ) . شرح نهجالبلاغة العلّامة التستري ، ج 8 ، ص 455 ووردت هذه الرواية أيضاً في كتاب تهذيب الكمال ، ج 26 ، ص 548 عم تاريخ بغداد .