أصحاب القدرة والثروة وصنّاع القرار والمستكبرين ، فالاعتماد على هؤلاء وتعظيمهم يتسبّب في إضعاف شخصية الإنسانة وسقوطه ، ولذلك نرى أنّ الكثير من الأكابر والعلماء السابقين كانوا يحرّمون الاقتراب من الحكّام الجائرين والطواغيت ، ويحذّرون الشخصيات المحترمة من إقامة علاقة وطيدة مع السلاطين ، وما نرى في ترجمة حال الأكابر القدماء من شكواهم من فساد الزمان ، فمقصودهم فساد أهل زمانهم « 1 » .
ونقرأ في الأشعار المنسوبة لعبدالمطّلب :
يَعِيبُ النَّاسُ كُلُّهُمُ زَمَاناً * وَمَا لِزَمَانِنَا عَيْبٌ سِوَانَا
نَعِيبُ زَمَانَنَا وَالْعَيْبُ فِينَا * وَلَوْ نَطَقَ الزَّمَانُ بِنَا هَجَانَا
وَإِنَّ الذِّئْبَ يَتْرُكُ لَحْمَ ذِئْبٍ * وَيَأْكُلُ بَعْضُنَا بَعْضاً عِيَاناً « 2 »
الخامسة والعشرون : يقول الإمام عليه السلام في هذه العبارة من وصيّته الرائعة : « لَيْسَ كُلُّ مَنْ رَمَى أَصَابَ » .
وهو إشارة إلى أنّه لا ينبغي للإنسان أن يتوقّع الوصول إلى مقصده وتحقيق هدفه دائماً بحيث لو أنّه لم يحقّق النتيجة المرجوّة يصاب باليأس ، أو أنّ الأشخاص الذين يرتكبون بعض الأخطاء التي تعيقهم عن تحقيق هدفهم ، يقعون ضحيّة الذمّ والتقريع والتوبيخ ، فالبشر غير معصوم ويحتمل في حقّه الخطأ والاشتباه ( سوى المعصومين عليهم السلام ) .
والغرض من هذا الكلام تسلية الخاطر وتقوية الإرادة من بعض الإخفاقات التي يواجهها الإنسان في حركة الحياة والاحتفاظ بالأصدقاء والمدراء وعدم نبذهم بسبب بعض الأخطاء والهفوات .
ويحتمل أيضاً أنّ المقصود من هذه العبارة أنّ كلّ رامٍ لا يوفّق لإصابة الهدف ، بل
هامش
( 1 ) . ذكرنا مفهوم فساد الزمان أكثر في نفحات الولاية في الحزء الثاني ذيل الخطبة 32 .
( 2 ) . بحار الأنوار ، ج 49 ، ص 111 .