الثالثة والعشرون : يقول الإمام عليه السلام : « وَقَطِيعَةُ الْجَاهِلِ تَعْدِلُ صِلَةَ الْعَاقِلِ » .
هذه العبارة إشارة إلى أنّه كما ينتفع الإنسان من الارتباط مع العقلاء فإنّه ينتفع كذلك من القطيعة مع الجّهال ( وطبقاً لهذا المعنى فإنّ الجاهل والعاقل بمنزلة المفعول لقطيعة وصلة ) .
ويحتمل أيضاً في تفسير هذه العبارة أنّ الجاهل إذا قطع علاقته معك فلا تحزن لذلك لأنّه بمنزلة أن يقوم عاقل بايجاد رابطة معك ، وبالتالي فأنت تتخلّص من شرّه وضرره بقطع علاقته معك ( وطبقاً لهذا التفسير فإنّ الجاهل والعاقل في هذه العبارة لهما موقع الفاعل ) .
الرابعة والعشرون : يقول الإمام عليه السلام : « مَنْ أَمِنَ الزَّمَانَ خَانَهُ ، وَمَنْ أَعْظَمَهُ أَهَانَهُ » .
والجملة الأولى إشارة إلى أنّ أيّ نعمة من نعم الدنيا لا يمكن أن يعتمد عليها ، فأشكال النجاحات ، والانتصارات ، والثروات ، والجمال والحُسن ، المحبوبية والمكانة الاجتماعية ، وسائر المواهب المادية الأخرى معرّضة للزوال في كلّ لحظة ، والأشخاص الذين يعتمدون على هذه الأمور فسوف يواجهون فجأة خيانة الدنيا لهم ، وستؤخذ منهم هذه النعم والمواهب واحدة بعد الأخرى ، وهذا من قبيل أنّ الإنسان يبني في مسير السيل داراً فخمة ، يحتمل في كلّ لحظة أن يأتي سيل عظيم ويجرف معه تلك الدار وينقضها ، وعلى ضوء ذلك فالمراد من الزمان هنا الدنيا والمواهب المادية والنعم الدنيوية .
والمراد من الجملة الثانية أنّ الإنسان يرى أهميّة الدنيا في عينه ويتحرّك لتحصيل النعم المادية فيها بأيّ طريق كان وبأيّة وسيلة ، وبديهي أنّ مثل هذا الشخص سيعيش الذلّة والمهانة ويسقط في أنظار الناس .
ويحتمل أيضاً في تفسير الجملتين أعلاه أنّ المقصود من الزمان ، أهل الزمان ، يعني أنّ الإنسان لا ينبغي له أن يثق بجميع أهل زمانه ، لأنّه ربّما يطعن من الخلف ويواجه الغدر والخيانة ، والمراد من تعظيم الزمان هو تعظيم أهل الزمان وبخاصّة
نفحات الولاية — صفحة 595
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٥٩٥